يعتبر القرنان التاسع والعاشر الهجريان من أثرى القرون إنتاجًا فيما كتبه أبناء مكة وعلماؤها من تاريخ البلد الأمين. وكان من أشهر أعلام المؤرخين المكيين خلال هذين القرنين خمسة من كبارهم بفضل ما تركوه من مؤلفات وآثار علمية عظيمة وهم:
- التقي الفاسي (ت ٨٣٢ هـ / ١٤٢٩ م).
- النجم بن فهد (ت ٨٨٥ هـ / ١٤٨٠ م)
- العز بن فهد (ت ٩٢٢ هـ / ٧/ ١٥١٧ م).
- جار الله بن فهد (ت ٩٥٤ هـ / ١٥٤٧ م).
- القطب النهروالي (ت ٩٩٠ هـ / ١٥٨٢ م).
فقد ألّف الفاسي ما يزيد عن الثلاثين كتابا من كتب التاريخ خصّص أغلبها لتاريخ مكة ورجالها. وسلك في ذلك ثلاثة أنماط من الكتابة المتناولة لتاريخ مكة المكرمة.
النمط الأول: كتابة تاريخ مدينة مكة ومعالمها وفضائلها ومنشآتها الدينية والحضارية والعلمية والعمرانية وغيرها. أشهر كتبه فيها: "شفاء الغرام، بأخبار البلد الحرام؛ وتحصيل المرام؛ وتحفة الكرام؛ والزهور المقتطفة؛ وترويح الصدور باختصار الزهور؛ واختصاره؛ وعجالة القرى للراغب في تاريخ أم القرى". وجميع هذه الكتب على منهج واحد متشابه متكامل.
[ ١ / ١ ]
النمط الثاني: كتابة تهتمّ بجمع تراجم علماء مكة ومشاهيرها. وضع الفاسي فيها كتابه "العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين" وقال في أوله إنه جمع "تراجم الأعيان من أهل مكة وغيرهم ممن سكنها مدة سنين أو مات بها، وتراجم ولاة مكة وقضاتها وخطبائها وأيمتها وغيرهم ممن وسع أو عمّر المسجد الحرام والأماكن الشريفة أو ممن عمل من المآثر الحسنة الكائنة بمكة" (^١).
النمط الثالث: وضع الفاسي كتُبا يؤرخ فيها لولاة مكة وحكامها في مختلف العصور، فألّف كتاب "ولاة مكة في الجاهلية والإسلام" ثم اختصره في كتاب "تجريد ولاة مكة".
وجاء بعده تلميذه المحدث الحافظ نجم الدين عمر بن محمد بن فهد المكي الهاشمي (ت ٨٨٥ هـ / ١٤٨٠ م) الذي ألّف أكثر من أربعين كتابا في التاريخ ومتعلقاته وخصّص عددا هاما منها لمكة وأهلها.
فقد ألّف أول كتاب عرفناه في تاريخ مكة على منهج الحوليات إذْ وضع كتابه "إتحاف الورى، بأخبار أم القرى" على غرار الكتب الكبيرة من الحوليات العامة مثل تواريخ الطبري وابن الأثير والذهبي وابن كثير وغيرهم. فقد أخذ منهجهم الذي طبقوه على التاريخ الإسلامي العام وخصصه هو لتاريخ مكة بداية من السنة الأولى للهجرة إلى سنة وفاته وهي ٨٨٥ هـ وبذلك كان الكتاب رائدا في هذا الفن.
واهتم النجم بتراجم أهل مكة فوضع كتابه "الدر الكمين بذيل العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين" أكمل فيه ما فات شيخه التقي الفاسي في كتابه "العقد الثمين" من المكيين الذين لم يترجمهم أو من ظهروا بعد وفاة الفاسي ممن عرفهم المؤلف وعاصرهم.
واعتنى النجم أيضا بالتعريف بالعوائل المكية الشهيرة بالعلم والفضل، فألف
_________________
(١) الفاسي: العقد الثمين ١: ٣.
[ ١ / ٢ ]
خمسة كتب في الموضوع تذكر العوائل التالية: بني فهد؛ الطبور؛ النويريين؛ القسطلانيين؛ بني ظهيرة.
وألّف النجم أيضًا في موضوع التعريف بولاة مكة المكرمة كتابه "بغية المرام" الذي أكمله وذيله ابنه العز، وصدر بعنوان "غاية المرام".
كل ذلك بالإضافة إلى العديد من كتب معاجم الشيوخ والفهارس والمشيخات وورث العز بن فهد (ت ٩٢٢ هـ / ١٥١٧ م) عن والده النجم عنايته بتاريخ مكة فوضع ذيلا لحوليات والده، بدأه من حيث انتهى النجم وأنهاه بأخبار سنة وفاته هو. فجاء كتابه "بلوغ القرى، بذيل إتحاف الورى، بأخبار أم القرى" تاريخًا لمكة مياومة، بداية من شهر رمضان ٨٨٥ هـ - تاريخ وفاة والده - وانتهاء بشهر ربيع الثاني من سنة ٩٢٢ هـ، أي قبيل وفاته بقليل. مُوردًا فيه الأخبار المفصلة لكل ما حدث بمكة في مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والتنظيمات الإدارية وغيرها مع التركيز على أخبار الحرم المكي وموظفيه والحج وأمرائه وأخبار حوادثه.
كما اهتم العز بن فهد في مؤلفاته الكثيرة الأخرى بمعاجم الشيوخ.
وانتقل إرث الجد (النجم بن فهد) إلى الحفيد جار الله بن فهد (ت ٩٥٤ هـ / ١٥٤٧ م) الذي سلك مسلك والده في وضع ذيل ثان لكتاب جدّه "إتحاف الورى" يلحقه بكتاب والده وعنْوَانه "نيل المنى، بذيل بلوغ القرى، لتكملة إتحاف الورى، بأخبار أم القرى" وهو الكتاب الذي نقدمه للباحثين محققا.
فقد أرّخ فيه لمكة مياومة، تبدأ من شهر ذي الحجة سنة ٩٢٣ هـ، وتنتهي بشهر جمادى الثانية سنة ٩٤٩ هـ.
ويعتبر الكتاب من أهم ما أنتجه جار الله بن فهد المكي، بالإضافة إلى كتب
[ ١ / ٣ ]
كثيرة أخرى تهتمّ بمكة وتاريخها ورجالها وأوديتها وعمارتها وغير ذلك من متعلقاتها ويقف المد العلمي لعائلة بني فهد في الإنتاج التاريخي الخاص بمكة ليظهر مؤرخ مكي آخر هو قطب الدين النهروالي (ت ٩٩٠ هـ / ١٥٨٢ م) صاحب كتاب "الإعلام، بأعلام بلد الله الحرام" الذي يُعتبر كتابا هاما جمع فضائل مكة إلى تواريخ عمارة المسجد الحرام ومُعمّريه مع تواريخ مكة وخصوصًا في العهد العثماني وعلاقة العثمانيين بمكة وإسهاماتهم في تعمير ما فيها من المنشآت الدينية وغيرها.
هذه أهمّ المؤلفات التاريخية التي ألفها أشهر المؤرخين المكيين خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين وكان من بينها كتاب نيل المنى لجار الله بن فهد المكي الهاشمي.
* * *
[ ١ / ٤ ]