بسم الله والحَمْدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فقد دفع إليَّ الأستاذ أحمد الشوابكة بهذا الكتاب الموسوم بوأد الفتنة بهدف الاطِّلاع على ما فيه، وإني إذ أقدِّر له هذا أقولُ وبالله التوفيق:
إنَّ هذا الكتابَ قد تناولَ موضوعًا هامًّا ربَّما كانَ البحثُ فيه وبهذا القدر من الجدّة في هذه الأيام أكثرَ حاجة وإلحاحًا، وأعني بذلك دراسة واقع الفتنة التي حَصَلتْ في صدر الإسلام زمن سيدنا عثمان ﵁ وأرضاه ـ.
وإنْ كانت مثل هذه الدِّراسات هي أشبه ما تكون بمعالجة لجملة من القضايا التَّاريخيَّة من حيث كونها تمثِّلُ جملةً من المغالطات التَّاريخيَّة مضمونًا وتناولًا من حيث المنهج، فشكَّلت بذلك جملة من الشُّبهات التي تركت أبْعدَ الأثر في نفوس كثيرين ممَّن لا يعرفون حقيقة واقع المسلمين في الصدر الأول من حيث: طبيعة الصَّحابة الكرام، وصلابة الإيمان آنذاك، وحجم الهجمة الشرسة على دولة الإسلام، والحرص الشديد على الكيد لها. فما كان من مثل هؤلاء إلا الاستجابة والقبول، بل وتمكن الرِّيبة من نفوسهم؛ فباتوا أبوابَ شَكٍّ ومفاتيحَ فتنة في كلِّ زمان ومكان، في وقت ما ازداد المؤمنون إلا إيمانًا مع ما رافق ذلك من حسن الظنّ بأصحاب النَّبيِّ - - ﷺ - - دون تمييز وإن تمايز الصَّحابة في مجال البذل والعطاء، وأنَّ ما تمَّ بينهم من وجوه الخلاف إنَّما كان منشؤه الاجتهاد بحثًا عن الحقِّ، فهم على كلِّ أحوالهم مأجورون بحسن
[ ١٠ ]
نواياهم.
لقد عالج الأخُ الباحثُ موضوع الفتنة من خلال دراسة منهجيَّة لواقع الرِّوايات التَّاريخيَّة، ومعلوم أن كثيرًا ممَّن كتبوا التَّاريخ أو نقلوه هم محلُّ نظر، ولذلك فقد اتّفق علماءُ الإسلام على أنَّ كاتبَ التَّاريخ ينبغي أنْ يتمتعَ بأكبر قدْر من الصَّلاح والتُّقى، وحسن الفهم والبصر في الأمور، والقدرة النافذة على التَّحليل، والمعرفة التامة بالعربية وأساليبها حال تناول الكتابة في التَّاريخ حتّى لا يكون الكلامُ حمَّالَ أوجه، وخاصة فيما يتعلَّق بذكر الحقائق وتناول عظائم الأمور.
وكلُّ المشتغلين بالتَّاريخ يشعرونَ بالحاجة إلى ضرورة كتابة التَّاريخ، ولكن كيف؟! هذا ما حاولَ الأخُ الباحثُ أنْ يَجْتهدَ فيه - وليس هو الأوَّل في ذلك - حيث حاولَ أنْ يُعيْدَ النَّظر في الرِّوايات التَّاريخيَّة وفق منهج المحدِّثين باعتبارهم أوَّل من وضع القواعدَ والضَّوابطَ في مجال توثيق النُّصوص، وهي قواعد غاية في الدِّقَّة والإتقان، وتكفل الوصول إلى السَّلامة أو أقرب ما يكون. وإن كان لا بُدَّ من التَّعامل وفق تلكَ القواعد بقدر من المرونة إذ يَصْعُبُ التعاملُ مع الرِّواية التَّاريخية بذات القدر من الصَّرامة مع النّصوص التّاريخيّة.
إن ممَّا يُشْكرُ عليه الأخ الباحث أنّ هذه الدّراسة كشفتْ عن أن جُلَّ الرِّوايات في الفتنة وما قيل في شأن كثير من الصَّحابة لا سبيل إلى القبول به؛ إذ لم يتوفَّرْ في الرُّواة أدنى درجات الرِّضا والقبول، فضعَّف بذلك تلك الرِّوايات التي تشكّك في مواقف الصَّحابة الكرام، وأنَّ ما بدا من بعضهم من رأيٍ أو فِعْلٍ إنما كانَ باعثه إحقاقَ الحقِّ وإبطالَ الباطل وإن اختلفتْ وجهات النَّظر فيه.
لقد أحسن الباحث كثيرًا فقد كان النص القرآني ماثلًا بين يديه، فاعتمده اعتمادًا كبيرًا وزيَّن به صفحاتِ هذا الكتاب، إضافة إلى لغَة سليمة دالّة معبّرة تتناسبُ تمامًا مع موضوع البحث، مع قراءة واعية للنّص بكل أنواعه تدلُّ على سلامة فهم وتحليل، وعناية واضحة بالسِّياق وأسباب النُّزول والورود للأحاديث.
وكذلك كانت محاولاتُه لتفسير النُّصوص وربط بعضها ببعض والاستفادة من ضوابط
[ ١١ ]
فهم النُّصوص واضحةً، مكنته من طرح قضايا الكتاب بشكل يَنْسجمُ انسجامًا موافقًا للمنطق وبناء المقدِّمات ثم النَّتائج.
كما وكان من اللافت للنَّظر أيضًا تلك الغيرة على الإسلام وتوكيد فضل الصَّحابة الكرام بعيدًا عن العاطفة ودون غلو أو تجاوز، مع سعة اطّلاع وعودة أمينة للمصادر والمراجع الأمر الذي يؤكِّدُ جودةَ هذا الكتاب وما فيه، راجيًا للأخ الباحث المزيد من التَّوفيق في مستقبل أعماله.
أ. د محمّد العمري
أستاذ الحديث وعلومه
عميد كلية الشريعة قي جامعة اليرموك
١٢/ صفر/ ١٤٣٠ هـ
الموافق ٨/ ٢/٢٠٠٩ م
[ ١٢ ]
بسم الله الرّحمن الرّحيم