ورواية الغرانيق ابتلاء قديم، وقد أمضى الله علينا الابتلاء قدرًا، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت] وأكّد الله ذلك في السّورة نفسها، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ [العنكبوت].
قلت: ولكنّنا مأمورون بدفعه شرعًا؛ ولذلك تعرّض لهذه الرّواية بالنّقد غَيْرُ عالم من العلماء القدماء والمُحْدَثِين الرّاسخين في معرفة علوم الحديث رواية ودراية؛ لكنّهم لم يسلموا من الّلوم ممّن جاء بعدهم، فهذ ا ينتقد القاضي عياض على مأخذه الثّاني في هذه المسألة، لأنّ القاضي كان له في الكلام على مشكل هذا الحديث في كتابه (الشّفا) مأخذان: أحدهما في توهين أصله وأنه حديث لم يخرّجه أحد من أهل الصّحة ولا رواه ثقة بسند سليم، وساق الأدلة على ذلك، والثّاني على تسليمه، أي التّسليم بصحَّة الحديث افتراضًا، واستعاذ بالله من صحَّته، وجَمَعَ الأدلَّةَ على بطلانه عقلًا ونقلًا، وذلك على افتراض صحّته.
ونحن لا ننكر على عالم أن يتعقّب القاضي على هذا التّسليم، لكن أن يوصف رأيه بأنّه ردّة في الفكر، ونكوص عن الحقّ، وأنّ القاضي قد نكص على عقبيه (^١)، فإنّ مثل هذا التّعبير
_________________
(١) قول محمّد الصّادق عرجون ﵀ قال: " وكان القاضي بنكوصه على عقبيه واستنزاله قلمه = = وفكره إلى حمأة الفروض والأوهام منتظمًا في عقد من أبطلوا القصّة الكاذبة المتزندقة الغرنوقيّة، ثمّ ارتدّوا على أدبارهم إلى مزالق التّأويل المحرّف المنحرف " (محمّد رسول الله - ﷺ -) (م ٢/ص ١٣٨) ونقل عنه ذلك محمّد بيّومي في كتابه (عظمة الرّسول - ﷺ -) (ص ٣١٢).
[ ١٠٠ ]
بحقّ عَالِمٍ لا نرضاه من عالم؛ فالعالم يصحِّحُ ولا يجرِّحُ!
فلا يخفى عُنْفُ هذه العبارة؛ فهي مقتبسة من قول الله تعالى في حقّ الشّيطان: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ (٤٨)﴾ [الأنفال] أو من قوله تعالى في حقّ المشركين: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)﴾ [المؤمنون] ولا تخفى الاستعارة التمثيليّة في هاتين الآيتين، فقد شبّه الله تعالى الإعراض عن الحقّ بالرّاجع القهقرى إلى الخلف!
وهذا الكلام في حقّ العلماء لا ينبغي أن يقال، ولا أن يُنْقَلَ عنهم؛ فحين يقرأ سواد النّاس هذا الكلام، يظنّون بهم؛ فيتركون ميراثهم! وما ذكرناه إلاّ ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق] فالحذرَ الحذرَ من بيان مسألة صغرى بطريقة تُضيِّعُ مصْلحةً كبرى.
والتّسليم: أن يُفْرض المُحال ويسلّم وقوعه تسليمًا جدليًا للدلالة على عدم فائدة ذلك على تقدير وقوعه. والتّسليم الّذي أخذوه عليه ليس عيبًا، وإن كان نوعًا من الأنواع المصطلح عليها في علم الجدل؛ فقد ورد التّسليم في كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ [المؤمنون].
فقوله تعالى: ﴿إِذًا﴾ جواب لمحذوف تقديره: لو كان معه إله، والمعنى: لو سُلّم أنّ مع الله إله لزم من ذلك التّسليم ذهاب كلّ إله بخلقه، وألاّ يرضى إلهٌ أن يُضافَ خَلْقُه إلى غيره، ولتنازعوا في الملك ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وغلب بعضهم بعضًا وقهره، فلا يتمّ في الكون أمر ولا تنتظم أحواله، فإذا تقرّر نفي المشاركة لأنّ الواقع خلاف ذلك دلّ على نفي
[ ١٠١ ]
الولد أيضًا؛ لأنّ الولد ينازع في الملك. وقد جاءت ﴿مِنْ﴾ في الموضعين زائدة: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ وإنّما زيدت لتوكيد النّفي. فهذا الأسلوب متّبع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا﴾ فرضًا ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ (١٤)﴾ [فاطر] وله شواهد حسبنا منها ما ذكرناه.
وكثير هم الّذين انتقدوا القاضي عياض وابن حجر وغيرهما من العلماء الأجلاّء الّذين لا نعلم أنّ الله أعطى أحدًا منهم موثقًا من الخطأ أو الوهم أو النّسيان، ولا يسعنا إلاّ أن نتمثّل قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ (١٩٩)﴾ [الأعراف].
وقد أخذوا على ابن حجر مأخذين: الأوّل: أنّه بعد أن ساق طرق القصّة وبيّن أنّها كلّها سوى طريق سعيد بن جبير ضعيف وإمّا منقطع، قال ﵀: " لكن كثرة الطّرق تدلّ على أنّ للقصة أصلًا " (^١) ولم يغفروا زلّته، ولم يكفهم أنّ غير عالم، ومنهم الألبانيّ ﵀ قد نبّه إلى ذلك من عُقُود! فحتّى يومنا هذا وهم يناقشون ما ذهب إليه، قلت: والحمد لله أنّ ابن حجر لم يقل: للقصة أَصْلٌ ثابت أو صحيح، وإلاّ لو صَارت الأشجارُ أقلامًا، والبحار مدادًا ما استطاعوا أن يُشْبِعوا الموضوع حقّه!
والثّاني: أنّ ابن حجر ارتضى في تأويل الآية قول القائل: كان - ﷺ - يرتل القرآن فارتصده الشّيطان في سَكْتةٍ من السكتات ونطق بتلك الكلمة محاكيًا نغمته بحيث سمعه من دنا، فظنّها من قوله وأشاعها، قال ابن حجر: " وهذا أحسن الوجوه " (^٢).
قلت: وهذا الّذي اختاره ابن حجر على التّسليم بأنّ هناك من يحتجّ بالمرسل، أو يحتج بتعدد طرق الحديث واعتضاد بعضها ببعض. وقصّة الغرانيق معلوم أنّها باطلة مناسبة وسندًا ومتنًا، ونصّها مخالف لأصل من أصول العقيدة، وهو عصمة النَّبيِّ - ﷺ - من أن يدسّ عليه
_________________
(١) ابن حجر: " فتح الباري " (ج ٨/ ص ٣٥٤) كتاب التّفسير.
(٢) المرجع السَّابق.
[ ١٠٢ ]
الشّيطان شيئًا أو يحاكيه فيما يبلّغه عن ربّه، والمنعم النّظر في كلام ابن حجر يعلم أنّه لا يخفى عليه ذلك، وأنّه إنّما ساق الرّوايات ليوهنها، وساق القصّة ليظهر عوارها! أمّا اختياره وترجيحه فقد قدّمنا أنّ العالم ليس معصومًا عن الزّلل ولا منزّهًا عن الخطل.
هذا وينبغي على من يقرأ الكتاب والسُّنَّة وسيرة السّلف الصّالح أن يجد ما يغرس في قلبه حسن الظنّ بالعلماء الأحياء منهم والأموات، فإذا رأت عينه عيبًا حمله على أكمل نيّة لهم، وأوَّلَهُ إلى أقرب معنى للخير، والتمس أحسن التّأويلات، وبرّر لهم واعتذر، إذ هم أَهْلٌ لذلك، والله تعالى أعلم بما في الصّدور! ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [العنكبوت].
فقد أمرنا الله تعالى أن نقدّم حسن الظنّ دائمًا بإخواننا المؤمنين، قال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا (١٢)﴾ [النّور] فابن حجر لا يتعمّد مخالفة الرّسول - ﷺ - أو أن يكذبَ عليه متعمّدًا، وغزارة علمه وفضله يشهدان بذلك، لكنّه مجتهد، فإن أخطأ فقد عفا الله عن المخطئ في اجتهاد، بل أعدّ له أجرًا حسنًا، فلا يلام من أصاب أجرًا! والله نسأل أن يُؤْتيَ علماءنا أفضل ما آتاه مَنْ رجاه بخير نيّة!
فما أعظم أنْ يجلَّ العلماءُ بعضهم بعضًا! فالعلماء يتوادّون ويتراحمون كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا (٩)﴾ [الحشر]، وكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا (١٠)﴾ [الحشر].
والعالم من عُدَّتْ هفواتُه، وأحصيت سقطاته، ويكفي العالم شرفًا وفخرًا أنْ تُعَدَّ معايبُهُ، كما قال يزيد المهلّبي:
ومن ذا الّذي تُرضى سجاياه كلّها كفى المرء نبلًا أن تُعَدّ معايبه
وابن حجر من جبال الحفظ الرّواسي الذي نذعن له بالفضل؛ فقد سَلَخَ من عمره قرابة الأربعين عامًا في الاشتغال بكتابه " الإصابة " وقد أشار إلى ذلك في نهاية الجزء
[ ١٠٣ ]
السّادس (^١)، وقرابة الثلاثين عامًا في كتابه " فتح الباري " (^٢) فكم من الوقت استغرقت بقية كتبه! فقد أنفق ﵀ نفائس أيامه بالاشتغال بالعلوم الشّرعيّة المتلقّاة عن سيّد البريّة والّتي مدارها على كتاب الله المقتفى وسنّة نبيّه المصطفى. والقاضي من جبال العلم الشّامخة الذي يستصغرُ الإنسانُ نفسه بين يديه! وهذا أو ذاك عنده من خشية الله تعالى ما يرفعه إلى درجة العلماء المغفور لهم إن شاء الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر].
ورحم الله أبا عمرو زرعة السّيباني إذ قال: " ما نحن فيما مضى إلاّ كَبَقْلٍ في أُصُولِ نخلٍ طوال " فإذا كان أبو عمرو كبقلٍ أفلا نكون على الأقلّ كشوكٍ نذودُ به عن جنى هؤلاء العلماء؟!