فقد أَصَّلْنا إلى أنّ الطبري لم يلتزم بإيراد الصّحيح في كتابه؛ لأنّ هناك قاعدة عند المحدِّثين والإخباريين مفادها: أنّ من أحال فقد برئ. وبالتَّالي فإنّ الرِّوايات التَّاريخيّة لا تُقبل ما لم تُعرف بالسّند الصَّحيح، والمتن الصَّحيح، مثلها مثل الحديث الشّريف؛ وإلا لقال كُلُّ مَنْ شاء ما شاء كيف شاء.
فهناك علامات للوضع في السّند، وعلامات للوضع في المتن يعرفها أهل العلم، ولا ينبغي لمسلم أن يجهلها؛ ولذلك تعرَّضتُ لبعض الروايات التَّاريخيّة التي أخرجها الطبري
_________________
(١) " صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٨/ج ١٦/ص ١٩٣) كتاب القدر.
[ ١٥ ]
بالنَّقد لأسانيدها، وبالدِّراسة لمتونها، بعد أن رأيت إمعانَ أهل الأهواء في نقل هذه الأخبار، وإهمال النّاس إلى أسانيد هذه الآثار، وذلك ليتعرَّفَ القارئُ المنهج الصَّحيح الذي ننفي فيه عن التّاريخ تحريف الغالين، وتحامل القالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين.
والله يشهد، أنّه لا يبغض أهل الحديث إلاّ الوضّاعون وأشياعهم، كما قال أحمد بن سنان القطان: " ليس في الدّنيا مبتدع إلاّ وهو يبغض أهل الحديث " (^١)، أو كما قال أحمد بن سلام الفقيه: " ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد " (^٢) لأنّ أهل الحديث ميَّزوا الطَّيِّب من الخبيث، ودمغوا أهل الباطل بسنن النَّبيِّ - - ﷺ - - وبما صحَّ من الأخبار، وما ثبت من الآثار.
وقد اعترض كتابَ الله تعالى مَنْ في قلوبهم زيغ، ولغوا فيه، واتّبعوا ﴿مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ (٧)﴾ [آل عمران]، فحرّفوا كلام الله تعالى عن مواضعه، وحكموا عليه بالتّناقض، ونسوا أنّ الله تعالى أعجز بهذا القرآن كبراءَهم من الإنس والجنّ من قبل، وإنّما حرّفوه من بعد ما عقلوه لئلا يُحْتَجَّ عليهم به بما يخالف أهواءهم.
كما حملوا على سيرة النَّبيِّ - - ﷺ - ـ، وقضوا على أحاديثه الشّريفة بالتّناقض والاختلاف والضّعف، ولم يتوقّفوا عند ذلك، وإنّما ألبسوا الحقّ بالباطل في شأن الصّحابة ﵃ وسلقوهم بألسنة حداد، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحقّ، ولم يحملْهم على ذلك كلّه إلاّ قلَّة الدِّين، والجهل المتين، والغباء المكين.
وهذا كلّه لو وقعت الغفلةُ عنه خِيفَ ضرره، واستطار شرُّه؛ فجعلت كتابَ الله أمَامي وإمامي، وسنّة الحبيب محمّد - - ﷺ - - لساني وبياني؛ لأقذف بالحق على الباطل، بأوجز لفظ وأبينه، فظهر لذي عينين ولسان وشفتين بطلان شبهاتهم الكليلة، وحججهم العليلة، كما ظهرت سيرة الصّحابة ﵃ وسريرتهم خالصة من كلّ شبهة وريبة وقادح.
_________________
(١) الحاكم " معرفة علوم الحديث " (ص ٤).
(٢) المرجع السَّابق.
[ ١٦ ]
وكان ابتداؤنا باسم الله الملك الحقّ المبين بترجمة للنَّبيِّ الصّادق الوعد الأمين، ثمّ بصور من نصرته ونصرة أصحابه لهذا الدِّين، وتحمّلهم لأذى المشركين والمنافقين، وبعد ذلك رددت على أبرز شبهات المشكّكين، ولم أتفرّد بالرّدِّ عليها، وإنّما تناولها السّلفُ بما أصابها بالتَّلف، غير أنّ هذه الشّبهات النَّائمة هناك مَنْ يُوقظها ويؤجّجها ويجدّدها، مع أنّها شبهات فارغة فرغت منها الأمّة منذ قرون، ومع هذا جاء من يتعاهدها، ولكن هيهات أيّها السّادرون في الغيّ، أين تذهبون؟!
وقد كان لزامًا أن نردّ خشية أن يقع في النّفس أنّ المبطل محقّ؛ فالسّكوت إقرار! وقد جاء ردُّنا على وجه يرفع الحيرة عن إخواننا المؤمنين ويهديهم إلى الحقّ المبين، والصراط المستقيم، والفضل كلّه لله ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ [الحج].
وقد أثبتّ كثيرًا من الكتب التي أفدت منها في دفع هذه الشّبهات وغيرها في آخر هذا البحث لتصرّفي في العبارة، وأدّعي أنّني كثيرًا ما زِدْتُ عليها في استقصاء الأدلّة والبراهين فيما أنشد وأبتغي، فجاء الجوابُ واقعًا ما له من دافع.
وقد تحرَّيتُ الحقَّ بالأدلّة والبيّنات، ووثّقت نصوص السُّنَنِ وخرّجت الآيات؛ قيامًا بحقّ كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه - - ﷺ - - وتصديقًا لقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح].
وأتبعت ذلك بالذَّبِّ عن الصحابة، بعد أن نَقَمَ عليهم مَنْ نَقَمَ، ووقع في عرضهم من وقع! والصّحابة إذا لم يرض عنهم هؤلاء وأولئك الّذين أجلبوا عليهم بِخَيْلِ أدلَّتهم الواهنة ورَجِلها، فقد ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة]، فظهر أنّ الصّحابة كلّهم عدول رغم ما جرى بينهم؛ فقد نصّ الله تعالى على عدالتهم في آيات صريحة يكثر إيرادُها، وصرَّحَ بذلك النَّبيُّ - - ﷺ - - في أحاديث صحيحة يطول تعدادها.
وقد حاولت جهدي أنْ أضمّن هذا الكتاب من فنون اللغة وأفنانها، وعلوم الشَّريعة
[ ١٧ ]
وأنوارها، ما يجد فيه المسلم بُغْيته وغُنْيته؛ فالقرآن الكريم مشحون بفنون البلاغة وعيون الفصاحة وأسرار البراعة، وتكاد لا تخلو سورة من إحكام أحكام، وإعجاز إيجاز، وحسن تركيب، وبديع ترتيب، وبدائع بديع، وأجناس جناس، وسحر بيان يأسر الجَنَان! وكيف لا وهو الفصل ليس بالهزل! أنزله الله على نبيّه - - ﷺ - - ليخرج النّاس من الظّلمات إلى النّور، وليقيم عليهم الحُجّة، ويوضّح لهم المَحَجَّة، فسبحان من أنزله بالحقّ بأبدع أسلوب، وسلكه ينابيع في القلوب!
وختامًا:
لو أنّ الدّهر عيني تنظر في عيون علوم القرآن، وسيرة سيّد الأنام - - ﷺ - - وصحبه الكرام لَفَنِيَ العمرُ وولّى الزّمان وعيني لم تشبع من النّظر! فَنَضَّرَ اللهُ وجوه أموات تحيا القلوب بذكرهم، وجمعنا بهم على حوض حبيبنا وحبيبهم - - ﷺ - ـ!
المؤلّف
أحمد الشوابكة
[ ١٨ ]