قال الله تعالى في حَقِّ أمّهات المؤمنين وبيان فضلهنّ: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب].
هذه جملة من الآداب أمر الله تعالى بها نساء النَّبيِّ - ﷺ -، ونساءُ المؤمنين تَبَعٌ لهنّ، فقد أراد الله تعالى أن يجعلهنّ مثلًا صالحًا وأسوة حسنة للنساء من بعدهنّ فطهّر ظاهرهنّ
_________________
(١) البخاري: " صحيح البخاري " (م ٤/ج ٨/ص ١٤٩) كتاب الاعتصام بالكتاب.
[ ١٣٥ ]
وباطنهنّ، فمن يلوك بلسانه ويلوي بشدقه سيرة أمّهات المؤمنين اللاتي أذهب الله عنهنّ الرّجس وطهرهنّ تطهيرًا فقد افترى! فهذا نصّ صريح في دخول أزواج النَّبيِّ - ﷺ - في أهل البيت لأنّهنّ سبب نزول الآية.
أمّا من ذهب إلى أنّ أمّهات المؤمنين غير مخاطبات بالآية، وأنهنّ خرجن من أهل البيت بدليل أنّ الله تعالى، قال: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ﴾ ولم يقل: عنكنّ، وقال: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ ولم يقل: ويطهركنّ.
فالجواب أنّ المذكّر غلب على المؤنّث ذلك أنّ النَّبيَّ - ﷺ - يدخل في أهل البيت، ثمّ كيف لا يدخلْنَ في أهل البيت والسّياق كلّه في ذكرهنّ؟!
فإن قالوا: لكنّ النَّبيَّ - ﷺ - نصّ على أنّ أهل البيت هم: الحسن والحسين، وفاطمة وعليّ، بدليل ما أخرجه الإمام مسلم عن صفيّة بنت شيبة، قالت: قالت عائشة: " خرج النَّبيُّ - ﷺ - غَداةً وعليه مِرطٌ (كساء) مُرَحّلٌ من شعر أسود، فجاء الحسن بن عليّ، فأدخله، ثمّ جاء الحسين، فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمةُ فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله، ثمّ قال: إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا " (^١).
قلنا: فهل نَصَّ الحديثُ على أنّ هؤلاء الأربعة ﵃ هم أهل البيت وحدهم؟! قطعًا الجواب لا؛ فهناك أحاديث ثابتة بالتّواتر القطعيّ الدلاّلة كابرًا عن كابر إلى رسول الله - ﷺ - أنّ أمّهات المؤمنين من آل بيته، منها ما أخرجه مسلم عن أبي حُمَيْد السَّاعديّ أنّهم قالوا: " يا رسول الله، كيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذُرِّيَّته كما صلّيتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى أزواجه وذُرِّيَّته كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيدٌ " (^٢).
_________________
(١) مسلم: " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٨/ج ١٥/ص ١٩٤) كتاب الصّحابة.
(٢) مسلم" صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٢/ج ٤/ص ١٢٧) كتاب الصّلاة، والبخاري " صحيح = = البخاري " (م ٤/ج ٧/ص ١٥٦) كتاب الدّعوات.
[ ١٣٦ ]
وهذا الحديث احتجّ به العلماء ومنهم ابن عبد البرّ على أنّه مفسِّرٌ لقول النَّبيِّ - ﷺ -: "قولوا: اللّهُمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على آل إبراهيم إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ، اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد " (^١).
ومنها قول النَّبيِّ - ﷺ -، وهو على المنبر: " يا معشرَ المسلمين، من يعذرُني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟! فوالله ما علمت على أهلي إلاّ خيرا " (^٢) والمعنى من يقوم بعذري إن جازيت من آذاني في أهلي (عائشة) على قبيح صنعه، وقيل المعنى: من ينصرني.
ومنها ما حدّث به زيد بن أسلم حصين بن سَبْرة ومن معه من أنّ النَّبيَّ - ﷺ - قام يوما خطيبًا بماء يدعى خمًّا بين مكة والمدينة، فبعد أن حمد الله وأثنى عليه كان ممّا قاله - ﷺ -: "وأنا تارك فيكم ثَقَلين: أوّلهما، كتاب الله، فيه الهدى والنّور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحثّ على كتاب الله، ورغّب فيه، ثمّ قال: وأهل بيتي أذكّركم اللهَ في أهل بيتي، أذكّركم اللهَ في أهل بيتي، أذكّركم اللهَ في أهل بيتي، فقال له حصين: وَمَنْ أهلُ بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرمَ الصّدقة بعده " (^٣).
فنساء النَّبيِّ - ﷺ - من أهل بيته الّذين يساكنونه ويعولهم، فإن قالوا: لكنّ النَّبيَّ - ﷺ - نصّ على أنّ أهل بيته من حُرِمَ الصَّدقة بعده، وهم: " آل عليّ، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عبّاس" (^٤).
_________________
(١) مسلم" صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٢/ج ٤/ص ١٢٧) كتاب الصّلاة.
(٢) البخاري" صحيح البخاري " (م ٣/ ج ٥/ص ٧) كتاب تفسير القرآن، ومسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٩/ ج ١٧/ ص ١٠٩) كتاب التّوبة.
(٣) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٨/ ج ١٥/ ص ١٧٩) كتاب فضائل الصّحابة ﵃.
(٤) المرجع السَّابق.
[ ١٣٧ ]
فالجواب، أنّ زوجاته أيضا ممّن تحرم عليهنَّ الصّدقة، قال ابن قيّم الجوزيّة: " تحريم الصّدقة على أزواج النَّبيِّ - ﷺ - ليس بطريق الأصالة، وإنّما هو تبعٌ لتحريمها عليه، وإلاّ فالصّدقة حلال لهنَّ قبل اتّصالهنّ به، فهنّ فرع في هذا التّحريم " (^١).
ويؤيّد ذلك ما أخرجه البخاري عن أنس ﵁: " فخرج النّبيّ - ﷺ - فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: السّلام عليكم أهلَ البيت ورحمة الله، فقالت: وعليك السّلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك بارك الله لك؟ فتَقَرّى (فَتَتَبَّعَ) حُجَرَ نسائه كُلّهُنّ يقول لُهُنّ كما يقول لعائشة، ويقُلْنَ له كما قالت عائشة " (^٢).