وهكذا يتَّضِحُ أنّ عليًّا ﵁ لم ينهض إلى البصرة لقتال عائشة ﵂ ومن معها كما تقدّم، وإنما ليرُدَّها إلى مأمنها ويقوى بمن كان معها، فهو يعلم أنّ القلوب واحدة والنّيّة واحدة، لكنّه كان يخشى ﵁ أن ينفتق في الإسلام فتق، وآية ذلك أنّهم لمّا اجتمعوا في النّصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، اجتمعت كلمتهم، ولم يقتتلوا، ولم يكن بينهم قتال؛ فخشي المنافقون وأعوانهم الّذين نُسِبَ إليهم قتل الخليفة عثمان ﵁ من اجتماعهم على قتالهم، فلمّا جَنَّ الليلُ اندس قتلة عثمان
_________________
(١) الطّبري " تاريخ الأمم والملوك " (ج ٣/ ص ٤٩٤) ونقل عنه ذلك ابن الأثير في "الكامل في التّاريخ " (م ٢/ص ٣٢٥).
(٢) الحاكم " المستدرك " (ج ٣/ ص ١١٩)، كتاب معرفة الصّحابة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[ ١٥٦ ]
﵁ بين هؤلاء وهؤلاء. وبعد أنْ اطمأنّ الفريقان أنشبوا السّهام، وبذلوا السُّيوفَ فيهم، فنشب القتال على غير نيّة، فأخذت كلّ طائفة تدفع عن نفسها، وهي تظنّ أنّ الأخرى بدأتها القتال، فكلتا الطائفتين محقّة في غايتها، سليمة في نيتها، مدافعة عن نفسها، بمثل هذا أجاب غير عالم من علمائنا عن سبب وقوع القتال.
وقد أشار الطّبري إلى هذا الأمر، فقال: " فباتوا على الصّلح، وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الّذي أشرفوا عليه، والنّزوع عمّا اشتهى الّذين اشتهوا، وركبوا ما ركبوا، وبات الّذين أثاروا أمر عثمان بشرّ ليلة باتوها قطّ، قد أشرفوا على الهلكة، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلّها حتّى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السِّرِّ، واستسرُّوا بذلك خشيةَ أن يفطنَ بما حاولوا من الشَّرِّ، فغدوا مع الغَلَس وما يشعرُ بهم جيرانُهم، انسلّوا إلى ذلك الأمر انسلالًا، وعليهم ظلمةٌ فوضعوا فيهم السّلاح، فثار أهل البصرة، وثار كلّ قوم في وجوه أصحابهم ونادى عليّ في النّاس: أيّها النّاس، كُفُّوا، فلا شيء " (^١).