لمّا حضرت عائشة ﵂ الوفاة استأذن ابن عبّاس ﵁ عليها وهي تموت، فأثنى عليها، فلمّا خرج من عندها وافَقَ خروجُه دخول ابن الزّبير، فأخبرته عن دخول ابن عبّاس وثنائه عليها، وقالت: " وددت لو كنت نَسْيًا منسيًا " وهذا على عادة أهل التُّقى والورع!
أخرج البخاري عن ابن أبي مُليْكة، قال: " استأذن ابن عبّاس - قبل موتها - على عائشة، وهي مغلوبةٌ، قالت: أخشى أن يثني عليّ، فقيلَ: ابن عمّ رسول الله - ﷺ - ومن وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينَك؟ قالت: بخيرٍ إن اتَّقيْتُ الله، قال: فأنتِ بخير إن شاء الله؛ زوجةُ رسول الله - ﷺ -، ولم ينكحْ بكرًا غيرك، ونزل عذرُك من السّماء، ودخل ابن الزّبير خلافه، فقالت: دخل ابن عبّاس، فأثنى عليّ، ودِدْتُ أنّي كنتُ نَسْيًا مَنْسيًّا " (^٣).
وأخرج البخاريّ عن القاسم بن محمّد أنّ عائشة اشتكتْ، فجاء ابن عبّاس، فقال:
_________________
(١) اليعقوبي " تاريخ اليعقوبي " (م ٢/ص ٨١).
(٢) ابن حجر " فتح الباري " (ج ١٣/ص ٤٥) وقال ابن حجر: رواه البزّار ورجاله ثقات. وأورده الهيثمي في " مجمع الزّوائد " (ج ٧/ص ٢٣٤) وقال: رواه البزّار ورجاله ثقات.
(٣) البخاري " صحيح البخاري " (م ٣/ج ٦/ص ١٠) كتاب تفسير القرآن، وانظر " الرّصف " لابن العاقولي (م ٢/ص ٢١٢).
[ ١٧٣ ]
"يا أمّ المؤمنين، تَقْدمينَ على فَرَط صدْق على رسول الله وعلى أبي بكر " (^١).
وابن عبّاس ﵁ يريد بهذه الكلمات أن يبشّرها بمنزلتها في الجنّة، وقوله لها: " على فَرَط صدق " يعني رسول الله - ﷺ -، وأبا بكر؛ لأنّ قوله " رسول الله " بدل من فرط صدق، وأضافهما إلى الصّدق وصفًا لهما ومدحًا. والمعنى أنّك ستلحقين بالأحبّة، فقد سبقاك وهيّآ لك المنزل في الجنّة، فافرحي يا عائشة.
وهذه الشّهادة عندما تأتي من عبد الله ابن عبّاس لها دلالتها؛ لقربه من عليّ، فما كان ليشهد لها ﵁ لولا علمه بذلك!
* * *
_________________
(١) البخاريّ "صحيح البخاريّ " (م ٢/ج ٤/ص ٢٢٠) كتاب أحاديث الأنبياء.
[ ١٧٤ ]