روى البخاري عن أنس بن مالك قال: " مرّ يهوديّ برسول الله - - ﷺ - ـ، فقال: السَّامُ عليك. فقال رسول الله - - ﷺ - ـ: وعليك، فقال رسول الله - - ﷺ - ـ: أتدرون ما يقول؟ قال: السَّام عليك. قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: لا، إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم " (^١).
وروى عن عائشة ﵂ قالت: " استأذن رَهْطٌ من اليهود على النَّبيّ - - ﷺ - - فقالوا: السَّام عليك، فقلت: بل عليكم السَّام واللعنة، فقال: يا عائشة، إن الله رفيقٌ يحبُّ الرّفقَ في الأمر كلّه. قُلتُ: أولم تسمعْ ما قالوا؟ قال: قلتُ: وعليكم " (^٢).
وقد ترك النَّبيُّ - - ﷺ - - قتلهم، وصبر على أذاهم لمصلحة التأليف، ولأنهم لم يعلنوا ولم يصرِّحوا، وإنما لَوَّوْا بألسنتهم.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هؤلاء الّذين كانوا يحيّون النَّبيَّ - - ﷺ - - بهذه التّحيّة الظَّالمة، الّذين كانوا يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية النَّبيِّ - - ﷺ - - ويقولون فيما بينهم: لو كان نبيًّا حقًّا لعذّبنا الله على هذا الكلام، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري " (م ٤/ج ٨/ص ٥١) كتاب استتابة المرتدين والمعاندين.
(٢) المرجع السَّابق.
[ ٤٠ ]
وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾ [المجادلة].
وعلى ذلك فإنّ الّذين يؤذون النَّبيَّ - - ﷺ - - في زماننا، ولسان حالهم يقول: لو كان نبيًّا ما أمهلنا الله بسبّه والاستخفاف به، يجهلون أنّ الله حليم لا يعجّل العقوبة لمن سبّه، فكيف من سبّ نبيّه!
فلا أحد أصبر على الأذى من الله تعالى، روى البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النَّبيِّ - - ﷺ - - قال: " قال الله: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إيّاي فزعم أنّي لا أقدر أن أعيده كما كان، وأمّا شتمه إيّاي، فقوله: لي ولدٌ، فسبحاني أَنْ أتّخذ صاحبة أو ولدًا " (^١).
وكثير هي الآيات الّتي أشارت إلى ما بيّنته الأحاديث الشّريفة من أنّ الله لا يعجل كعجلة أحدنا، وإنّما يملي للظّالم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾ [النحل]، وقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر].
ولكن لمن تقول هذا الكلام: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال]، ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ [الأنفال].
ونحن المسلمين نُؤْمنُ بجميع الأنبياء والمرسلين، ولا نستثني منهم أحدًا، ولا أدري كيف يجترئ عَبْدٌ على مُعَاداة نبيّ، والله تعالى يقول في الحديث القدسيّ: " من عادى لي وليّا
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري " (م ٣ / ج ٥ / ص ١٤٩) كتاب تفسير القرآن.
[ ٤١ ]
فقد آذنته بالحرب " (^١) فما بالك بمن عادى نبيًّا! ولكن كما قال القائل:
لا يُصْلِحُ الواعظُ قَلْبَ امرئ لم يَعْزِم اللهُ على رُشْده!