﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (٣٣)﴾ [الأحزاب]
ولمّا ظهر عليّ ﵁ جاء إلى عائشة ﵂، فقال: " غفر اللهُ لك، قالت: ولك، ما أردْتُ إلاّ الإصلاح " (^٣).
وأخرج عبد الرّزاق في المصنّف بسند منقطع قول عائشة ﵂: " إنّما أريد أن يحجز بين النّاس مكاني، قالت: ولم أحسب أن يكون بين النّاس قتال، ولو علمْتُ ذلك لم أقِفْ ذلك الموقف أبدًا " (^٤) أي كانت تعتقد أن مكانتها تكون حاجزًا بين النّاس من
_________________
(١) ابن خلدون " المقدّمة " (ص ٢١١) وشبيه بذلك قول عبد الملك بن مروان:" أنصفونا يا معشر الرَّعيّة، تريدون منّا سيرة أبي بكر وعمر! ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعيّة أبي بكر وعمر " ابن قتيبة " عيون الأخبار " (م ١/ص ٦٢).
(٢) ابن أبي شيبة " مصنّف ابن أبي شيبة " (ج ١٥/ص ٢٧٧/رقم ١٩٦٥٦).
(٣) ابن عماد " شذرات الذّهب " (ج ١/ص ٢٠٦).
(٤) الصّنعاني " المصنّف " (ج ٥/ص ٤٥٧/رقم ٩٧٧٠).
[ ١٥٩ ]
الاختلاف.
فعذرها ﵂ أنّها كانت تريد الإصلاح، وكانت متأوِّلةً لقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النّساء]
فخروجها خروج طاعة لا خروج معصية، وهذا فيه ردٌّ على من حَمَلَ على خروج عائشة ﵂ واحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (٣٣)﴾ [الأحزاب] وقوله - ﷺ - لنسائه عام حجّة الوداع: " هذه ثمّ ظهور الحُصُر " (^١).
فإنّ خروج الطّاعة لا ينافي أمر الله ورسوله بالقعود، وليس في الآية أو الحديث الشّريف أمر بالقعود عن الحجّ أو الإصلاح بين النّاس، أو ما فيه مصلحة للمسلمين، فاحتجاجهم بالآية أو الحديث الشّريف على المنع مطلقًا ليس صحيحًا، وقد كان معها محرمها عبد الله بن الزّبير بن العوّام، إذ أنّ عائشة ﵂ تكون خالته؛ فوالدة عبد الله بن الزّبير هي أسماء بنت أبي بكر الصّدّيق ذات النّطاقين أخت عائشة.
أيضا لو كان في خروجها معصيةٌ لله تعالى ما أخبر النَّبيُّ - ﷺ - أنّها زوجته في الآخرة، أخرج البخاري عن الحكم عن أبي وائل قال: " قام عمّار على منبر الكوفة فذكر عائشةَ، وذكر مسيرها، وقال: إنّها زوجةُ نبيّكم - ﷺ - في الدّنيا والآخرة " (^٢).
ولو كان في خروج مَنْ كانَ معها مثل طلحة والزّبير معصية لله ما أخبر النَّبيُّ - ﷺ - أنّهما شهيدان فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: " أنّ رسول الله - ﷺ - كان على حِرَاء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزّبير، فتحرّكت الصّخرةُ، فقال رسول الله - ﷺ -: اهدأ؛ فما عليك إلاّ نبيٌّ، أو صدِّيقٌ، أو شهيد " (^٣) فكيف يحكم - ﷺ - أنّ
_________________
(١) أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة " المسند " (م ١٨/ص ٣١٥/رقم ٢٦٦٣٠)
(٢) البخاري " الصحيح " (م ٤/ج ٨/ ص ٩٧) كتاب الفتن.
(٣) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٨/ج ١٥/ص ١٩٠) كتاب فضائل الصّحابة.
[ ١٦٠ ]
عائشة زوجته في الآخرة، وأنّ طلحة والزّبير شهيدان لو كان في خروجهم معصية لله، أو كان في خروجهم دغل أو غشّ أو خروج على الخليفة؟!
وهذا يدلّك على سلامة نيّة الصّحابة في الخروج، وأنّهم لم يخرجوا لدنيا يصيبونها، وحسبهم قول النَّبيِّ - ﷺ -: " إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله " (^١) وحسبهم قوله - ﷺ -: " عجبًا لأمر المؤمن إنَّ أمره كلّه خير وليس ذاك إلاّ للمؤمن " (^٢).