قال رسول الله - ﷺ - " بحسب امرئ من الشّرّ أن يحقِرَ أخاهُ المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُهُ، ومالُهُ، وعرضُهُ " (^٣) فإذا كانت أعراض المسلمين محرّمة علينا، فحرمة أعرا ض أمّهات المؤمنين أشدّ حرمة!
ويموت قلبك من كمدٍ حين تعلم أنّ أقوامًا تَتَقرَّبُ إلى الله بِلَعْنِ أمّ المؤمنين عائشة! ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ [الزّخرف].
أخرج أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ليس المؤمن بطعّان، ولا بلعّان، ولا الفاحش البذيء " (^٤).
_________________
(١) ابن قيّم الجوزيّة " جلاء الإفهام " (ص ١٣٤) وقد كتب ابن قيّم الجوزيّة فصلا تحت عنوان: من هم آل النّبيّ - ﷺ -؟ وذكر أنّه اختلف في آل النّبيّ - - ﷺ - - على أربعة أقوال، وذكر هذه الأقوال وساق حججها، وبيّن ما فيها من الصّحيح والضّعيف.
(٢) البخاري " صحيح البخاري " (م ٣/ج ٦/ص ٢٥) كتاب التّفسير.
(٣) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٨/ج ١٦/ص ١٢٠) كتاب البرّ والصّلة.
(٤) أحمد " المسند " (ج ٤/ص ٥٥/رقم ٣٨٣٩) ورواه التّرمذي عن محمّد بن يحيى الأزدي، عن محمّد بن = = سابق في " الجامع الكبير " (م ٢/ص ٥٢٠/ رقم ١٩٧٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن عبد الله من غير هذا الوجه.
[ ١٣٨ ]
كيف يخفى على هؤلاء أنّ الله تعالى أنزل عذرها من السّماء في القرآن، وأنّها جُعِلت طيّبة لطيّب، قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ [النّور] وحيث كان النَّبيُّ - ﷺ - أطيب الطيّبين اتّضح أنّ الصّدّيقة بنت الصّدّيق كانت من أطيب الطّيبات، وأنها بريئة بشهادة الله تعالى ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ (٢٦)﴾ [النّور] فهذا نصّ صريح على براءتها ممّا رماها به أهل الإفك.
ولا يخفى ما في اسم الإشارة ﴿أُولَئِكَ﴾ من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشار إليهم وشرفهم، والآية الكريمة تحمل على معان كثيرة مآلها إلى تنزيه الصّدّيقة بنت الصّدّيق، فما كان الله ليجعلها زوجة لأحبِّ الخلق إليه لولا أنّها طاهرة من سلالة طاهر.
فليحذر الذين يرمون عائشة ﵂ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور] فبراءة عائشة ﵂ من الإفك براءة قطعيّة بنص القرآن الكريم، وبأحاديث شريفة صحيحة، لا سقيمة ولا معلولة، فلا عذر لمرتاب أبدًا!
ومن رمى عائشة ﵂ فكأنّما ترك كلام الله وراء ظهره، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [النّور] أو ردّ القرآن الكريم، لأنّ الله يقول: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ [النّور] فمن وقع في ذلك فقد وقع بين مخالفة الله وردّ كلامه ﵎.
أخرج البخاري عن عروة عن عائشة أنّ رسول الله - ﷺ - خطب النّاس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: " ما تشيرون عليّ في قوم يَسُبُّون أهلي ما علمت عليهم من سوء قطّ " (^١).
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري " (م ٤/ج ٨/ص ١٦٣) كتاب الاعتصام.
[ ١٣٩ ]
وعن عروة قال: " لمّا أُخْبِرَت عائشة بالأمر قالت: يا رسول الله، أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي؟ فأذِنَ لها، وأرْسَلَ معها الغلام، وقال رجل من الأنصار: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم " (^١).
ولا يخفى أنّ الطّعن في أمّنا عائشة ﵂ القصد منه الطّعن في كتاب الله تعالى الذّي برّأها، والسُّنَّة النَّبويَّة الّتي رَوَتْها عن رسول الله - ﷺ -.