ولمّا فتح النَّبيُّ - - ﷺ - - مكّة ورأى الأنصار رأفة النَّبيِّ - - ﷺ - - بأهلها وكفّ القتال عنهم، ظنّوا أنّه يرجع إلى سكنى مكّة والمقام فيها ويهجر المدينة وأهلها، فشقّ ذلك عليهم، فأوحى الله تعالى إلى رسوله - - ﷺ - ـ، فأعلمهم النَّبيُّ - - ﷺ - - بقولهم، ثمّ أخبرهم بأنّه ملازم لهم لا يحيا إلاّ عندهم ولا يموت إلاّ عندهم، ففاضت أعينهم من الدمع فرحا بما سمعوا من الرّسول - - ﷺ - ـ، روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - - ﷺ - ـ:
" يا مَعْشَرَ الأنصار، قالوا: لبّيك يا رسول الله، قال: قُلْتُم أمّا الرَّجل فأدركتْه رغْبَة في قَرْيَته، قالوا: قد كان ذاك، قال كلاّ إنّي عبدُ اللهِ ورسُوله، هاجرتُ إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والمماتُ مماتُكم، فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الّذي قلنا إلاّ الضّنّ بالله وبرسوله، فقال رسول الله - - ﷺ - ـ: إنّ الله ورسوله يصدّقانكم ويعذرانكم " (^١).
ولمّا أفاءَ الله على رسوله - - ﷺ - - يوم حُنَيْن بعد أيّام من فتح مكّة، قسم في النّاس ولم يعطِ الأنصارَ شيئًا، فكأنّ ناسا منهم حديثة أسنانُهُم (^٢) وَجَدُوا؛ إذ لم يُصِبْهم ما أصاب الطّلقاء، وكان النَّبيُّ - - ﷺ - - قد أعطى رجالا من قريش حديث عهد بجاهليّة يتألّفهم، فلّما حُدِّث رسولُ الله - - ﷺ - - بمقالتهم من أنّه أعطى قريشًا وتركهم، أرسل - - ﷺ - - إلى الأنصار، فجمعهم في قبّة، وخطبهم، فلمّا علموا ما خفي عليهم من الحكمة رضوا بأن تكون غنيمتهم الكبرى مجاورة النَّبيِّ - - ﷺ - - حيًّا وميّتًا، قال - - ﷺ - ـ:
" يا معشرَ الأنصارِ، ألمْ أجدْكُم ضُلاّلًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرّقين فألّفكم الله بي؟ وعالةً فأغناكُمُ اللهُ بي؟ كُلّما قال شيئا قالوا: اللهُ ورسوله أمَنُّ، قال: ما يَمْنَعُكم أن تجيبوا
_________________
(١) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٦/ج ١٢/ص ١٢٨) كتاب الجهاد والسّير.
(٢) ليسوا من فقهاء الأنصار أو رؤسائهم.
[ ٣١ ]
رسول الله - - ﷺ - ـ؟ قال: كُلّما قال شيئا قالوا: اللهُ ورسوله أمَنُّ، قال: لو شئتم قلتُم: جِئتَنا كذا وكذا، ألا تَرضَونَ أن يذهبَ النّاسُ بالشّاةِ والبعير، وتذهبون بالنَّبيِّ - - ﷺ - - إلى رِحَالكم، لولا الهجرةُ لكنتُ امرأ من الأنصار، ولو سلك النّاس واديًا وشِعْبًا لسلكتُ وادي الأنصار وشعبها، الأنصارُ شِعَارٌ والنّاسُ دثارُ (^١) إنّكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض " (^٢).