الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على سيِّدنا محمَّد خاتم النَّبيِّين وآخر المرسلين، وعلى أصحابه الأكرمين، وأزواجه أمّهات المؤمنين، وأتباعه الفاضلين الطَّيبين، وبعد:
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ [التوبة].
لا يَحْزُنْكَ تشنيع جاهل، أو نقص مُتَهوِّكٍ، أو شنآن قوم لشخص النَّبيِّ محمَّد - - ﷺ - ـ؛ فهؤلاء إنما اشتغلوا بدعاوى باطلة تَمجُّها القلوبُ السَّليمةُ، وظواهر من العلم موضوعة، طلبًا لعرض الدنيا، أو علو الصّيت، أو رغبة في الثّناء، أو مغالبة الأقران والنُّظراء، أو حسدًا من عند أنفسهم ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ (١٥٦)﴾ [آل عمران]، ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ (١٦٧)﴾ [البقرة].
رسولَ الله، سلامٌ عليك ما سَجَى ليلٌ وتجلَّى نهار! وسلام على أصحابك الأبرار المهاجرين والأنصار، الّذين أيدهم الله تعالى بما نصروا الله، ونافحوا عن رسوله بأيديهم وألسنتهم. لَهفَ نفسي على هؤلاء الرّجال المقتدى بفعالهم! لَهْفَ نفسي على المنكرين لكلّ أمر مُنْكر!
أما بعد، فقد ظنَّ أقوام أنهم حين يتجرَّؤون على رسول الله - - ﷺ - - يطفئون نور الله بأفواههم ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا
[ ١٣ ]
ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة] بلى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة].
ولعمري لو علموا حقيقة رسالته ما وسعهم إلا اتّباعه، لكنّهم ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم].
ولا ريب أنَّ هؤلاء الأدعياء، أهل الأراجيف والباطل، الذين بغوا على رسول الله - - ﷺ - - وَلجُّوا في الغواية على أصحابه وأمعنوا في الضَّلال ليسوا بشيء، وكلامهم الذي يعبِّرون به عن سويداء القلوب، العاقل لا يعيره الطّرف، ولكن ما يدعو للأسى أنَّ من بين هؤلاء قومٌ من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا! جنحوا لرواياتٍ موضوعة وآثار مصنوعة في كتب التّراث الإسلاميّ
وأنا أعلم أنّ الله تعالى أغنى نبيَّه - - ﷺ - - عن نصرة الخلق، لكن والذي نفسي بيده، إنَّ بطن الأرض أولى بنا من ظهرها إن عجزنا عن نصرة نبينا - - ﷺ - - ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ (٤)﴾ [محمد]، ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (٢٥)﴾ [الحديد]، ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ (٨)﴾ [الأنفال].
والله يشهد أنني وأنا أكتب هذا البحث لا يغيب عن خاطري قوله تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف]، ولذلك يا قوم: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ (٢٩)﴾ [هود] و﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان]، فأنا لم أضعه لأجل هذا أو ذاك، وإنّما:
أرَدْتُ به نَصْرَ الإله تبتُّلًا وأضمرتُه حتّى أوسَّدَ في قبري
[ ١٤ ]
و﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود]، ووضعته لأردّ به غائلةَ المبطلين، ووساوسَ الشّياطين، وشبهاتِ المشكّكين، وأفانين المتقوِّلين الخرَّاصين، الذين ما قدروا الرَّسول - - ﷺ - - حقّ قدره، وما عرفوا فضل الصّحابة ﵃ ليخزهم الله ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾ [التوبة].
ووضعته تصيّدًا للعبر والدّروس، فالتّاريخ يعيد نفسه، فهناك أحداث تتشابه أقوالًا وأفعالًا بين الليلة والبارحة؛ لتشابه القلوب، وقد أشار القرآنُ الكريم لذلك، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (١١٨)﴾ [البقرة]، فهناك تشابه بين قلوب الأولّين والآخرين، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات].
والعاقل من يعتبر بالسَّلف قبل أن يصيرَ عبرةً للخلف، أو كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: " والسّعيد مَنْ وُعِظ بغيره " (^١).