أورد البخاري من حديث عمرو بن جاوان، قال: " والتقى القوم - يعني يوم الجمل - فقام كعب بن سور الأزدي معه المصحف ينشره بين الفريقين، وينشدهم الله والإسلام في دمائهم، فما زال بذلك المنزل حتّى قُتل طلحة أوّل قتيل، وذهب الزّبير يريد أن يلحق به فقُتل " (^٢).
وانظر كيف بدأت هذه الحادثة بقتل صحابيين جليلين، فقد سارع المنافقون إلى قتلهما لإشعال الفتنة بين المسلمين وإذكاء نارها، وتأجيج أوارها، خشية أن يجتمعوا عليهم بعد أن
_________________
(١) الطّبري " تاريخ الأمم والملوك " (ج ٣/ص ٥١٧) وإسناده ضعيف، ولكنّ متنه ممّا لا يُسْتَبْعَد، ونقله ابن الأثير في " الكامل في التّاريخ " (م ٢/ص ٣٣٦) وغيره في غيره.
(٢) البخاري " التّاريخ الأوسط " (ص ٤١/ رقم ٢٩٠) والخبر في " " تاريخ خليفة بن خيّاط " (ص ١٨٥) وفي " سير أعلام النّبلاء " (ج ١/ص ٣٥) وقال المحقّق: وفيه ابن أعين، وعمرو بن جاوان لم يوثّقه غير ابن حبّان.
[ ١٥٧ ]
قتلوا خليفة المسلمين عثمان ﵁!
وقد وردت أخبار كثيرة في حرصهم على قتل عائشة ﵂ ودفاع من كان معها عنها، منها ما أورده ابن حجر في " الفتح " عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أَيَّتُكُنَّ صاحبة الجمل الأدبب تخرج حتّى تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة، وتنجو بعدما كادت " (^١).
وهؤلاء القتلة لا أحسبهم إلاّ جماعة من المنافقين، فقد وَصَفَهم النَّبيُّ - ﷺ - بذلك، فقد أخرج ابن ماجه حديثًا صحيحًا عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: " يا عثمان، إن ولاّك الله هذا الأمر يومًا، فأرادكَ المنافقون أن تَخْلعَ قميصك الّذي قمّصك الله، فلا تخْلعه " (^٢).
وأخرج نحوه أحمد بسند صحيح عن عائشة أنّ رسول الله - ﷺ - قال: " يا عثمان، إنّ الله ﷿ عسى أن يُلْبِسَكَ قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتّى تلقاني " (^٣).
وهؤلاء المنافقون حَرَّكَتْهُم أَيْدٍ خبيثة؛ فالّذين كانوا يضمرون الشَّرَّ للإسلام وأهله يومها كانوا كَثْرةً كاثرة من أهل الكتاب، والمرتدين، والأكاسرة والأباطرة، والكفّار، فضلًا عن حديثي العهد بالإسلام ممّن يسهل استمالتهم، فقد كثُر في ذلك العهد من لم يصحب النَّبيَّ - ﷺ -، وفُقِد من عرفَ فضل الصّحابة ﵃! فأمسى النّاس أسرع إلى الاختلاف، وقد سَألَ رجلٌ عليّ بن أبي طالب ذات مرّة: " ما بال المسلمين اختلفوا عليك ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟! فقال: لأنّ أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي، وأنا اليوم والٍ
_________________
(١) ابن حجر " فتح الباري " (ج ١٣/ص ٤٥) وقال ابن حجر: رواه البزّار ورجاله ثقات. وأورده الهيثمي في " مجمع الزّوائد " (ج ٧/ص ٢٣٤) وقال: رواه البزّار ورجاله ثقات.
(٢) ابن ماجة " صحيح سنن ابن ماجة " (م ١/ص ٢٠٥/رقم ٩٠ - ١١٢) الألباني، وقال: صحيح.
(٣) أحمد " المسند " (ج ١٧/ص ٣٦٩/رقم ٢٤٤٤٧) والمراد بالقميص الخلافة.
[ ١٥٨ ]
على مثلك " (^١).
ولا يستبعد أنّه قُتِل في حادثة الجمل بعض من يُتَّهم في دم عثمان ﵁ وممّن أعان عليه ومالأ على دمه، فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي حفص، قال: " سمع عليّ يوم الجمل صوتًا تلقاء أمّ المؤمنين، فقال: انظروا ما يقولون، فرجعوا فقالوا: يهتفون بقتلة عثمان، فقال: اللهمّ احلل بقتلة عثمان خزيًا " (^٢) فمن دعائهم وسُؤاله أن يخزهم الله في هذا اليوم بالقتل يفهم أنّ كلا الطّرفين ليس عنده أدنى شكّ في أنّ قتلة عثمان ﵁ هم الّذين أنشبوا القتال، وأنّهم وراء كلّ شرّ وبلاء، وأنّهم اختلطوا في الفريقين.
وهذا الحدث الجَلَل يُسْتَفادُ منه الحذر من الأيدي الخفيّة التي كانت وما زالت توقع بين المسلمين، والحذر من الألسن والأقلام الّتي تثير الحفائظ، وتُوغِر الصُّدور!