أمّا قَتْلُ طلحة فَيُتَّهَمُ فيه مروان بن الحكم، فقد أخرج خليفة في تاريخه عن ابن سيرين، قال: " رُمِي طلحة بسهم فأصاب ثغرة نحره. قال: فأقرّ مروان أنّه رماه " (^٣) وفي طبقات ابن سعد عن جويرية بن أسماء، عن نافع، قال: " نظر (مروان) إلى طلحة بن عبيد الله واقفًا، فقال: والله إن دم عثمان إلاّ عند هذا، هو كان أشدّ النّاس عليه وما أطلب أثرًا بعد عين. ففوق (^٤) له بسهم فرماه فقتله " (^٥).
وقد أنكر ابن العربيّ هذا الحديث، فقال: " وقد روي أنّ مروان لمّا وقعت عينه في الاصطفاف على طلحة، قال: لا نطلب أثرًا بعد عين، ورماه بسهم فقتله. ومن يعلم هذا إلا علاّم الغيوب، ولم ينقله ثَبْتٌ؟ " (^٦) ووافقه المحقّق محبّ الدّين الخطيب، وقال: " وهذا الخبر عن طلحة ومروان (لقيط) لا يعرف أبوه ولا صاحبه. وما دام لم ينقله ثبت بسند معروف عن رجال ثقات فإنّ للقاضي ابن العربيّ أن يقول بملء فيه: ومن يعلم هذا إلاّ علاّم
_________________
(١) الهيثميّ " مجمع الزوائد " (ج ٩/ص ١٥٠) وقال الهيثميّ: رواه الطّبراني بإسناد حسن. وأخرج نحوه الحاكم في " المستدرك " (ج ٣/ص ٣٧٢) وأبو شيبة في " مصنّف بن أبي شيبة " (ج ١٥/ص ٢٦٩/ رقم ١٩٦٤٢).
(٢) أحمد " المسند " (ج ١/ص ٤٦٣/رقم ٦٨٠).
(٣) خليفة " تاريخ خليفة بن خيّاط " (ص ١٨٥).
(٤) فُوق السَّهم: مَوْضع الوَتَر فيه.
(٥) ابن سعد " الطّبقات الكبرى " (م ٥/ص ٣٨) وذكر نحوه ابن سعد في " الطّبقات الكبرى " (م ٣/ص ٢٢٣).
(٦) ابن العربيّ " العواصم من القواصم " (ص ١٦١).
[ ١٦٦ ]
الغيوب؟! " (^١).
قلت: وقد حكم على صحّة هذا الخبر ثلاثة من الأئمّة الأعلام: ابن حجر، والذّهبي، والهيثمي.
قال الحافظ ابن حجر:
" أخرج أبو القاسم البغوي بسند صحيح عن الجارود بن أبي سبرة، قال: لمّا كان يوم الجمل نظر مروان إلى طلحة فقال: لا أطلب ثأري بعد اليوم، فنزع له بسهم فقتله، وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم أنّ مروان بن الحكم رأى طلحة في الخيل، فقال: هذا أعان على عثمان فرماه بسهم في ركبته، فما زال الدّم يسيح حتّى مات " (^٢). وأخرج نحوه الحاكم في "المستدرك" (^٣) وحَكَم عليه الذّهبي بالصِّحَّة في تلخيص المستدرك.
كما صحّح هذا الخبر الهيثمي من رواية الطّبراني عن قيس بن أبي حزام، قال: " رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في يمين ركبته، فما زال يسبح إلى أن مات " (^٤).
وأخرجه خليفة من طريق جويرية بن أسماء، عن يحيى بن سعيد، عن عمّه، قال: "رمى مروان طلحة بن عبيد الله بسهم، ثمّ التفت إلى أبان بن عثمان، فقال: قد كفيناك بعض قَتَلةِ أبيك " (^٥).
_________________
(١) ابن العربيّ " العواصم من القواصم " (ص ١٦١).
(٢) ابن حجر " الإصابة " (م ٢/ج ٣/ص ٢٩٢/رقم ٤٢٥٩).
(٣) الحاكم "المستدرك" (ج ٣/ص ٣٧٠) كتاب معرفة الصَّحابة.
(٤) وقال الهيثميّ: رواه الطّبرانيّ ورجاله رجال الصّحيح "مجمع الزّوائد " (ج ٩/ص ١٥٠) وهو في " المعجم الكبير " للطبراني كما ذكر (م ١/ص ٧٢/رقم ٢٠١).
(٥) خليفة " تاريخ خليفة بن خيّاط " (ص ١٨٥) وأورده الذّهبي في " سير أعلام النّبلاء "= = (ج ١/ص ٣٦) عن خليفة بن خيّاط، وقال المحقّق: إسناده صحيح كما قال الحافظ في " الإصابة ".
[ ١٦٧ ]
قلت: وهذا الحديث لا يَصِحُّ متنًا حتّى لو صَحَّ سندًا؛ فليس كلّ صحيح سندًا ينبغي أن يكون صحيحًا متنًا، بل يشترط سلامة الحديث من مبدئه إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علّة. وهذا ممّا لا يجهله الحافظ ﵀ ولا غيره من النُّقاد، ولكنّه لم ينظر إلى متنه معرفة منه أنّ صحّة الإسناد لا يلزم منها صحّة الحديث، قال ابن الصّلاح: " والحكم بالصِّحَّة أو الحُسن على الإسناد لا يلزم منه الحُكم بذلك على المتن، إذ قد يكون شاذًّا أو معلَّلًا " (^١).
ويدلّك على بطلان المتن أمور خمسة:
الأوّل: أنّ مروان بن الحكم وطلحة بن عبيد الله في صَفّ واحد، قال ابن حجر: "مروان بن الحكم شهد الجمل مع عائشة، ثمّ صفّين مع معاوية، ثمّ ولي إمرة المدينة لمعاوية " (^٢) فكيف يقتله وهو في صَفِّه؟!
الثّاني: كيف يَسْتَحِلُّ مروان قتل طلحة وهو أحد العشرة المبشرين بالجنّة، بدعوى أنّه من قتلة عثمان، ومروان أعلم النّاس بقتلة عثمان، فقد كان مع عثمان يوم الدّار وشهد حَصْرَه، وكان من المدافعين عنه ومن آخرهم خروجًا من عنده يوم قتل ﵁، وقتلته من المنافقين كما أخبر عثمان ﵁ عن رسول الله - ﷺ - ومروان لا يجهل ذلك لقربه من عثمان، وهو كاتبه، أخرج خليفة بسند صحيح عن عبد الرّحمن بن مهدي، عن حصن بن أبي بكر، عن يحيى بن عتيق، عن محمّد بن سيرين، قال:
" انطلق الحسن، والحسين، وابن عمر، وابن الزّبير، ومروان، كلّهم شاكٍ في السّلاح حتّى دخلوا الدّار، فقال عثمان: " أَعْزِم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم، فخرج ابن عمر والحسن والحسين، فقال ابن الزّبير ومروان: ونحن نعزم
_________________
(١) ابن كثير " الباعث الحثيث " (ص ٤٨).
(٢) ابن حجر " الإصابة " (م ٣/ ج ٦/ص ١٥٦/رقم ٨٣١٢).
[ ١٦٨ ]
على أنفسنا أن لا نبرح " (^١).
الثّالث: كيف يَسْكُتُ معاويةُ عن فِعْلَةِ مروان بن الحكم وهي من الموبقات السّبع ولا يحقِّقُ عليه، ويجعله في صفِّه، ويولِّيه إمرة المدينة بعد ذلك؟! وكيف يرضى أهل المدينة بإمرته وفيهم الصّحابة أمثال عبد الله بن عمر، وعائشة ، وهذا فيه تخطئة للصّحابة ﵃، كما أنّه لم ينقل عن عائشة ﵂ أنّها أنكرت على مروان ذلك، ونحن نعلم أنّ مروان كان معها في حادثة الجمل، وكانت في المدينة يوم كان مروان على إمرتها.
الرّابع: لو صحّت هذه الرّوايات من أنّ مروان قتل طلحة بزعم أنّه من قتلة عثمان، فإنّ سكوت عائشة وعليّ يومها على قَوْلِ وفِعْل مروان فيه إقرار بصحّة دعواه من أنّ طلحة من قتلة عثمان! وهذا أظهر ما يردُّها؛ فكيف يقتل طلحة عثمان وكان النَّبيُّ - ﷺ - قد بشّره بالجنّة؟!
الخامس: أنّ مروان بن الحكم بن أبي العاص من كبار التّابعين، أَرْسَل عن النَّبيِّ - ﷺ -، وروى عن غير واحد من الصّحابة منهم عمر وعثمان وعليّ، وروى له البخاري وأبو داود والتّرمذي، والنّسائي، وابن ماجة، وقَرَنَهُ البخاري بالمسور بن مخرمة في روايته عن الزّهري عن عروة عنهما في حديث الحديبية بطوله، فلو أنّ مروان قتل طلحة لكانت من موبقاته الّتي تكفي أن يتوقّف البخاري عن ذكره في صحيحه. ومروان لا يُتَّهم في حديثه ولم يجرِّحْه أحدٌ، ولو كان شيء من ذلك لتداولته كتب الجرح والتّعديل بالتّضعيف.
وفي " تاريخ دمشق " أنّ طلحة أصيب بسهم غَرْب أي أتاه سهم طائش من حيث لا يدري، فلا يُعرَف راميه ولا من أين أتى وهذا هو الرّاجح، قال ابن عساكر: " سنة ست وثلاثين وفيها قُتِلَ طلحة بن عبيد الله في المعركة أصابه سهم غَرْب فقتله " (^٢).
_________________
(١) خليفة " تاريخ خليفة بن خيّاط " (ج ١/ص ١٨٨).
(٢) ابن عساكر " تاريخ مدينة دمشق " (ج ٢٥/ص ١٢٢).
[ ١٦٩ ]