حتّى الّذين شهدوا الفتنة من الصّحابة ﵃ كانوا حريصين على عدم القتال، ويشهد لذلك ما أخرجه أحمد بسند صحيح عن محمّد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال: " ما زال جدّي كافًا سلاحه يوم الجمل حتّى قُتل عمّار بصفّين، فَسَلَّ سيفه، فقاتل حتّى قُتل، قال سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: تقتل عمّارًا الفئة الباغية " (^٣) أي أنّه لم يقاتل في الجمل ولا في صفّين حتّى تبيّن له الحقّ فقاتل عن بَيِّنة.
وروى البخاري عن أبي حميلة قال: " قال محمّد بن طلحة لعائشة يا أمّ المؤمنين، يوم الجمل، فقالت: كن كخير ابني آدم؛ فأغمد سيفه بعد ما سلّه، ثمّ قاتل حتّى قُتِل " (^٤). أي كُنْ المقتُول ولا تكُن القاتِل، وهذا يدلُّكَ على أنَّ عائشةَ ﵂ كانت تَنْهَى عن القتال ولا تَأْمر به.
حتّى الخليفة عليّ ﵁ كان يتجنّب القتال كيلا يُصِيبَ دمًا حرامًا ففي "المطالب العالية " بسند صحيح عن سليمان بن صرد، قال: جئت إلى الحسن ﵁
_________________
(١) قال الألباني: مُنْكر " سلسلة الأحاديث الضّعيفة " (م ٢/ص ١٦/رقم ٥٣١).
(٢) الهيثمي " مجمع الزّوائد " (ج ٧/ص ٢٣٤).
(٣) أحمد " المسند " (ج ١٦/ص ١٢١/رقم ٢١٧٧٠) والحاكم في "المستدرك" (ج ٣/ص ٣٩٧) كتاب معرفة الصّحابة.
(٤) البخاري " التّاريخ الأوسط " (ص ٤٦/ رقم ٣٣٧).
[ ١٦٣ ]
فقلت: " اعذرني عند أمير المؤمنين؛ حيث لم أحضر الوقعة، فقال الحسن ﵁: ما تصنع بهذا، لقد رأيتُه يَلوذُ بي وهو يقول: يا حسن ليتني متُّ قبل هذا بعشرين سنة! " (^١).
وكذلك طلحة بن عبيد الله والزّبير بن العوّام تجنّبا القتال، فالمشهور أنّهما لم يقاتلا، فأمّا طلحة فأصابه سهم أوّل الأمر فقتل مظلومًا شهيدًا، وأمّا الزّبير فرجع تاركًا للقتال فقتل مظلومًا شهيدًا بوادي السّباع (^٢) قرب البصرة مُنْصرفًا في طريقه إلى المدينة تاركًا للقتال، قتله ابن جرموز غدرًا وغيلة.
ويؤيّد هذا أنّ ابنُ جُرْمُوز لمّا استأذن بالدّخول على الخليفة وكان في اعتقاده أنّه سينال حظوة عند الخليفة، قال عليّ ﵁ يومها: " بشّر قاتل ابن صفيّة بالنّار " أخرجه أحمد والحاكم (^٣) بسند صحيح عن زِرِّ بن حُبَيْش.