لمّا توجّه النَّبيُّ - - ﷺ - - إلى تبوك وكان معه ثلاثون ألفًا من أصحابه ﵃، وإذ بجماعة من المنافقين ومرضى القلوب يهزؤون بالنَّبيِّ - - ﷺ - - ويسخرون منه، فذهب النَّبيُّ - - ﷺ - - إليهم يسألهم عن ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يا أيّها الرّسول عن استهزائهم وهم سائرون إلى تبوك ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ معتذرين ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ في الحديث لنقطع به الطّريق ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٦٦)﴾ [التوبة].
_________________
(١) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٨/ج ١٦/ص ٦٦) كتاب فضائل الصّحابة.
[ ٤٤ ]
هذا نصّ صريح في أنّ الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، وأنّ كلّ من تَنَقَّصَ النَّبيَّ - - ﷺ - - جادًّا أو هازلًا فقد كفر! ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس].
فحلفوا بالله كاذبين أنّهم ما استهزؤوا بالنَّبيِّ - - ﷺ - ـ، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ ما بلغك عنهم ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ والآية تشعر أنّ الكلمة الواحدة في هجاء النَّبيِّ - - ﷺ - - موجبة للكفر! ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا (٧٤)﴾ [التوبة] من الفتك بالنَّبيِّ - - ﷺ - - ليلة العقبة عند عودته من تبوك ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾ [التوبة].
وقد ترك النَّبيُّ - - ﷺ - - هؤلاء المنافقين ولم يجازهم ولم يُقِمْ عليهم الحَدُّ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ (٤٨)﴾ [الأحزاب]، فلم يكن أُمِر بجهاد المنافقين بعد.
قلت: وليحذر المستهزئون في كلّ زمان ومكان ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور]، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر].