حفظ الله تعالى رُسُلَه من مخالفة أوامره، كما حفظهم من الوقوع في نواهيه، ولذلك أمر بالاقتداء بهم، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (٦)﴾ [الممتحنة] وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ (٩٠)﴾ [الأنعام].
ولذلك فإنَّ أمرَ الله تعالى باتِّباع رسله في اعتقاداتهم، وأفعالهم، وأقوالهم، وأخلاقهم، يُثْبتُ أنّهم منزَّهون عن السيِّئات، معصومون من الصغائر كعصمتهم من الكبائر ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ (١٦١)﴾ [آل عمران]، ويستوجب أنهم لا يتَّصفون إلا بالأخلاق العظيمة التي تجعل منهم أسوة حسنة، وقدوة طيبة.
فالله تعالى هو الذي علّمهم فأحسن تعليمهم، وأدّبهم فأحسن تأديبهم؛ وجعلهم مثلًا أعلى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء] نعم كانوا أئمة في التقوى يأتمّون بمن
_________________
(١) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٨/ج ١٥/ص ٤٦) كتاب الفضائل. والبخاري " صحيح البخاري " (م ١/ج ١/ص ٢٨) كتاب العلم.
[ ٧٩ ]
كان قبلهم، ويأتمّ بهم من بعدهم. كما شهد الله تعالى لخاتم النَّبيِّين بالعصمة، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (٢١)﴾ [الأحزاب].
وقد ورد في كتاب الله ما يوهم ظاهره بأن للأنبياء ذنوبًا وأخطاء تتنافى مع عصمتهم، وعُذْرُ مَنْ توهّم ذلك أخْذُه بظاهر القرآن.
ومن أمثلة ما ورد، قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه] فظاهر الآية الكريمة أنّ آدم ﵇ عصى الله وغوى، وظاهر الآية غير مراد.
فمعصية آدم ﵇ التي أشار إليها القرآن كانت نسيانًا، فقد نسيَ عَهْدَ الله، فأكل من الشجرة ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه] فعُذْرُ آدم النّسيان وعدم العزم، والله تعالى لا يؤاخذ على الخطأ والنسيان وإنَّما على ما تعمّدت القلوب، ويشهد لذلك قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (٢٨٦)﴾ [البقرة] وقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ (٥)﴾ [الأحزاب] وإنما اعتبر الله ﵎ نسيان آدم ﵇ عصيانًا بالنَّظر لمقام آدم الرفيع المحمود، فحسنات الأبرار سيئات المقربين كما يقولون.
وزيادة على ذلك فهذا النِّسيان وقع منه قبل النُّبوَّة؛ فالله تعالى ذكر أنّ الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه].
ثمّ انظر إلى قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ فتوبة الله تعالى على عبده تجعل ما ارتكبه له لا عليه، فالله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ (٢٧٥)﴾ [البقرة] (^١)، وقوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي السّالف من ذنبه لا يكون عليه إنّما هو له، ومن درس (علم
_________________
(١) هذه الآية نزلت في حقّ آكل الرّبا، وهي من جوامع الكلم، والمعنى أنّ خطاياه الماضية غفرت له وتاب عليه.
[ ٨٠ ]
المعاني) لا يخفى عليه هذا المعنى الدّقيق، فالآية الكريمة كأنّ ألفاظَها قَوالبٌ لمعانيها، وهو ما يعرف في علم المعاني بالمساواة.
وهناك من يتوهّم أنّ آدم ﵇ غير معصوم بدليل أنّ الله تعالى نسب الشّرك إليه وإلى حواء على السّواء في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف].
ولو أنّ هذا المتوهّم درس علوم القرآن لانحلَّ عنده هذا الإشكال، وانْجَلتْ له هذه المعضلة؛ فهذا من الموصول لفظًا المفصول معنى، قال تعالى في آدم وحوّاء: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف].
والنَّاظرُ في الآيتين يعرف أنّ آخر ما ورد عن خبر آدم وحواء وما آتاهما الله من ولد صالح قوله تعالى: ﴿فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ويوضّح ذلك عودة ضمير التّثنية إليهما، وتغيّر الضّمير إلى الجمع بعد ذلك؛ فلم يقل الله: عمّا يشركان! فالكلام قد يتّصل بما قبله حتّى يكون كأنّه قَوْلٌ واحدٌ وهو قولان.
ولذلك فإنّ قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف] من الموصول المفصول، فقد جاء موصولًا في اللفظ لكنّه مفصول في المعنى، فالآية عن أهل مكّة، والمعنى فتعالى الله عمّا يشرك به أهل مكّة من الأصنام، والجملة مسببة، عطفٌ على قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وما بينهما اعتراض.
ومن أمثلة ما ورد قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ
[ ٨١ ]
فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ [الأنعام] فظاهر الآيات يوهم بأنّ إبراهيم ﵇ عبد كوكبًا حتّى غاب، وعبد القمر حتّى غاب، وعبد الشّمس حتّى غابت، وإلى هذا المعنى ذهب بعض المفسّرين.
ومنهم من قال: " وإبراهيم تبدأ قصّته فتى ينظر في السّماء فيرى نجمًا، فيظنّه إلهه، فإذا أفلَ قال: لا أحبّ الآفلين. ثمّ ينظر مرّة أخرى فيرى القمر، فيظنّه ربّه؛ ولكنّه يأفل كذلك، فيتركه ويمضي. ثمّ ينظر إلى الشّمس فيعجبه كبرها، ويظنّها - ولا شكّ - إلهًا! " (^١).
وهذا الكلام في حقّ إبراهيم ﵇ لا يُرْتَضَى، ولعلّ عذر القائل ﵀ أنّه نقل هذا المعنى عن بعض المفسِّرين الّذين أخذوا قول إبراهيم ﵇ على ظاهره، وذهبوا إلى أنّ إبراهيم إنّما قال ذلك في طفولته، وأنّه كان حيران، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي (٧٧)﴾ [الأنعام] قالوا: وهذا يدلّ على نوع من الحيرة. قلت: وهذا كلّه يؤكّد الحاجة إلى تحقيق كتب التّراث وتخليصها ممّا علق بها من الأقوال المغلوطة، والآراء المرجوحة.
ويدلك على شذوذ هذا التّفسير أنّ الله قال في حقّ إبراهيم ﵇ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)﴾ [الأنبياء] فالأنبياء معصومون عن الذّنوب قبل النُّبوَّة وبعدها، وقد بيّنا ذلك فيما تقدّم بما يغني عن إعادته.
وأيّ ذنب أعظم من قول إبراهيم إنْ أُخِذَ على ظاهره! والصّحيح ما عليه الجمهور من أنّ هذا القول كان في مقام المناظرة لقومه استدراجًا لهم ليقيم عليهم الحجّة، ومن باب مجاراة الخصم ليلزمه الحقّ، ويؤيّد هذا قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ (٨٠)﴾ [الأنعام] وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ (٨٣)﴾ [الأنعام].
والآيات في صدر القصّة تدلّ على أنّ إبراهيم لم يقل ذلك أيّام طفولته، وأنّه كان يوقن
_________________
(١) " سيد قطب: " التّصوير الفنّي " (ص ١٣٣).
[ ٨٢ ]
بوحدانيّة الله، لكنّه استدرجهم ليظْهَرَ عليهم بالحجّة؛ فيحملهم على التَّبرُّؤ من الأصنام والأجرام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ (٧٦)﴾ [الأنعام].
أمّا قول إبراهيم ﵇: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾ [الأنعام] فإنّما قاله لغرض بلاغيّ، وهو التّعريض بضلال قومه، وأنّهم ليسوا على الهدى، وليس الأمر كما قالوا من أنّه كان حيران.
ومن تدبّر الآيات التي يوهم ظاهرها أنّ الأنبياء ارتكبوا ما يخالف عصمتهم عرف الحقّ كما عرف السّواد من البياض. فمنصِبُ النُّبوَّة يجلُّ عن الوقوع في الذّنب، وعن مخالفة الله عامدًا متعمدًا، ولو جاز ذلك منهم لم يلزمنا الاقتداء بهم!
ولذلك فإنّ الله تعالى يقول لنبيّه - ﷺ -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف] ولا يخفى أنّ الآية الكريمة زاد معناها على لفظها، وهو ما يعرف بإيجاز القِصَر، وهو أعلى طبقات الإيجاز مكانًا، وأصعبها على البلاغيين إمكانًا؛ فقد جمعت الآية الكريمة تحت ألفاظها القليلة من المعاني الغزيرة ومكارم الأخلاق ما أعجز البلغاء، فالآية جمعت مكارم الأخلاق كلّها؛ لأنَّ في العفو صِلَةَ من قطعه، والعفو عمّن ظلمه، وإعطاء من منعه. وفي الأمر بالمعروف تقوى الله وصلة الرّحم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطّرف عن الحرمات والتَّبرُّؤ من كلّ قبيح، لأنّه لا يجوز أن يأمر بالمعروف وهو يلابس شيئًا من المنكر، وفي الإعراض عن الجاهلين الصّبر والحلم والأناة وتنزيه النّفس عن مقابلة السّفيه بما يفسد الدّين، وهذا كلُّه يؤكّدُ عِصْمَةَ الرَّسولِ - ﷺ -.
وسنقتصر الحديث على الآثار التي وردت في حقّ خاتم الأنبياء والمرسلين محمَّد - ﷺ - فقد أمر الله باتّباعه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (٣١)﴾ [آل عمران] فإذا تقررّ أنّ الله تعالى أمر بالاقتداء به - ﷺ - استحال أن يرتكب ما يخالف عصمته.
[ ٨٣ ]
بل هو معصوم قبل البعثة، وفي الحديث عن عليّ ﵁ قال: " سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " فوالله ما هَمَمْتُ بعدها أبدًا بسوء ممّا يعمل أهل الجاهليّة حتّى أكرمني الله تعالى بنبوّته " (^١).