قالوا: يطوف المسلمون حول حَجَر، ويسعون بين حجرين، ويصعدون إلى عرفة فيقعدون على حَجَر، ثمّ يفيضون إلى مزدلفة فيلتقطون حجارة ليضربوا في مِنَى حجرًا بحجر، قالوا: والأغرب أنّهم يقبِّلون حجرًا ويضربون حجرًا آخر! وهذا كلّه أشبه بالوثنيَّة.
هذه الشّبهة سمعتها أوّل مرّة في صعيد عرفات من أحد الفضلاء، ولم أسمع الإجابة عنها، فطاش عقلي؛ كيف خطرت هذه الشُّبهة على بال شياطين الإنس!
ونقض هذه الأضاليل لا يحتاج إلى جهد جهيد أو عناء مُعَنَّى، فالله تعالى فرض علينا الحجّ في العمر مرَّة، وقد ثبتت فرضيته في الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمَّة: أمَّا الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ (٩٧)﴾ بالله وبما فرضه من الحجَّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران] ومن السُّنَّة، قوله - ﷺ -: " قد فَرَضَ الله عليكم الحجَّ فحُجُّوا " (^١) وقوله - ﷺ - " بني الإسلام على خمس: شهادةِ أنْ لا إله إلاّ الله وأنَّ محمَّدًا عبْده ورسوله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان " (^٢).
_________________
(١) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٥/ج ٩/ص ١٠٠) كتاب الحجّ.
(٢) مسلم " صحيح مسلم بشرح النَّوويّ " (م ١/ج ١/ص ١٧٧) كتاب الإيمان. والبخاري " صحيح البخاري " (م ١/ج ١/ص ٨) كتاب الإيمان.
[ ١٢٥ ]
فالحجّ ركن من أركان الإسلام ودعائمه العظام نقوم بمناسكه طَاعَةً لله لأنَّ الله أمر بذلك، ونؤدِّيه اتِّباعًا لسنَّةِ نبيِّه - ﷺ - لأنّه فعل ذلك، فقد ثبت عنه - ﷺ - أنَّه قال: " لتأخذوا مناسككم فإنّي لا أدري لعلّي لا أحجّ بعد حجَّتي هذه " (^١) واللام في " لتأخذوا ": لام الأمر. والتّقدير: خذوا عنّي هيأة الحجّ وصفته من أقوال وأفعال. وهذا الحديث أصل في مناسك الحجّ ومشروعيتها، فنحن المسلمين لا نعبد الله إلاّ بما أَذِن به على لسان نبيّه.
ونحن لا نعظِّم هذه الأماكن، وإنّما نعظِّم أمرَ الله ورسوله، وهذا عمر بن الخطّاب ﵁ يردُّ على هذه الشّبهة منذ قرون، ويعلّم المشركين أنّ المسلمين لا يستلمون الحجر الأسود من باب تعظيمه كما فعلت العرب في الجاهليَّة، وإنَّما هو من باب الاتِّباع لفعل رسول الله - ﷺ -، أخرج البخاري عن عابِس بن ربيعة، عن عمر ﵁ أنَّه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله، فقال: " إنِّي أعلم أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ، ولولا أنِّي رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يُقَبِّلك ما قبَّلْتُك " (^٢) فالحجر بذاته لا ينفع ولا يضرّ إلاّ بإذن الله، والَّذي ينفع عند الله هو امتثال أمر الله والاستنان بنبيِّه محمَّد - ﷺ -.
وعمر ﵁ إنَّما قال ذلك دفعًا لما كان عليه أهل الجاهليَّة من اعتقاد في عبادة الأوثان، فنصَّ على أنَّ تقبيل الحجر ليس عبادةً له، وإنَّما هي عبادةٌ لله تعالى باتِّباع أمر الله ورسوله - ﷺ -. فلا يقصد من استلامه إلاّ تعظيم أمر الله والأخذ بسنَّة نبيِّه - ﷺ -، ولولا الاقتداء برسول الله - ﷺ - ما قبَّله عمر ﵁ وما تابعه المسلمون.
وقول عمر وفعله ﵁ يُؤْخذ منه بيان السُّنن المشروعة ومتابعتها والحثّ على الاقتداء بها، فهي حجَّة على من بلغته وإن لم يَفْقَهْ عِلَلَها. كما يُؤْخذ منه حُسْنُ السَّمع والطّاعة لأمر الله ورسوله - ﷺ - في أمور الشَّرع، وحسن الاتِّباع للنَّبيِّ - ﷺ - حتَّى لو خفيت علينا الحكمة من وراء هذه الأمور.
_________________
(١) مسلم " صحيح مسلم بشرح النَّووي " (م ٥/ج ٩/ص ٤٤) كتاب الحجّ.
(٢) البخاري " صحيح البخاري " (م ١/ج ٢/ص ١٦٠) كتاب الحجّ.
[ ١٢٦ ]
ومن حِكَم مشروعيَّة استلام الحجر الأسود زيادة على ما تقدَّم ما بيَّنه قولُ النَّبيِّ - ﷺ -: "ليبعثَنَّ اللهُ الحجرَ يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهدُ لمن استلمه بحقّ " (^١) وقول النَّبيِّ - ﷺ - هذا موافق لقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزّلزلة] فالحجر الأسود قطعة من الأرض وسوف يحدِّث أخباره.
ولا شكّ أنّ الحجارة تتفاضل كما تتفاضل المساجد والأماكن والشّهور والأيّام والليالي وليس لنا من الأمر شيء، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب] فإذا أُمِرْنَا أن نستلم حجرًا استلمناه، وإذا أمرنا أن نضرب بحجر فعلنا، وإذا أمرنا الله تعالى أن نستقبل قبلة استقبلناها، وإذا أمرنا أن نتحوّل عنها إلى قبلة أخرى سمعنا وأطعنا؛ فهذا من كمال الإيمان وتمام العبوديّة لله وحده.
ومهما قيل حول حكمة مشروعيَّة هذه المناسك فالقول الفصل أنّها أمور تعبديَّة يجب التّسليم فيها للشَّارع نؤدِّيها طاعة لله تعالى وتعظيمًا لأمره.
* * *
_________________
(١) أحمد " المسند " (ج ١٣/ص ١٨٧/رقم ٢٦٤٣) بإسناد صحيح عن ابن عبّاس.
[ ١٢٧ ]