هناك من يرسم صورة قاتمة لمستقبل الإسلام والمسلمين، ويصوّر أنّ هذه الأمّة قدرها ألاّ تنهض، وأن تعيش على أمجاد الماضي، ويؤصِّل ذلك على أحاديث شريفة، يسوقها على ظاهرها، بعد أن أشكل عليه فهمها، ليعارض بها جزم القرآن بمستقبل الإسلام من جهة، ويقنّط النّاس من الخير من جهة أخرى، وشرّ النّاس الّذين يقنّطون النّاس من رحمة الله.
ومن هذه الأحاديث الّتي يثيرونها ما رواه البخاري عن الزّبير بن عديّ، قال: " أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجّاج، فقال: " اصبروا فإنّه لا يأتي عليكم زمان إلاّ الّذي بعده شرٌّ منه حتّى تلقوا ربّكم، سمعته من نبيّكم - ﷺ - " (^١).
ويظنّون أنّ الصّحابيّ أنس ﵁ فهم التّعميم؛ بدليل أنّه يخاطب جماعة من التّابعين، والمعنى في ظنّهم أنّ كلّ زمان لا بدّ أن يكون ما بعده شرّ منه إلى قيام السّاعة، وهذا كلام يورث اليأس في النّفوس!
والجواب، ما الّذي يمنع أن يكون من بين الّذين شكوا لأنس صحابة، وأنّه كان يعنيهم؟! فإنّ عصر الحجّاج بن يوسف كان فيه غير صحابيّ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وعلى ذلك فالحديث ليس على عمومه، وإنّما يختصُّ بالصّحابة، فأمّا من يأتي بعدهم فلم يُقْصَدْ في الخبر.
ولعلّ ما يؤيّد ذلك أنّ عصر عمر بن عبد العزيز، وهو بعد زمن الحجاج بقليل لا يفضّل على زمن الحجّاج، مع أنّ زمن عمر قد اشتهر فيه الخير وكثر، غير أنّه لم يكن في عصره أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري " (م ٤/ج ٨/ ص ٩٠) كتاب الفتن.
[ ١٢٢ ]
والحديث يُحمل على غير هذا المعنى، فلعلمائنا فيه أقوال أُخَر تستحقّ أن تُطْلبَ من مظّانها، ولكن يستفاد من الحديث أنّ النَّبيَّ - ﷺ - يخبر بتغيّر الأحوال وفسادها بعد عصر الصّحابة ﵃، فهو من أعلام النُّبوَّة؛ لأنّ ذلك من الغيب الّذي لا يعرف بالعقل والرأي وإنّما يعرف بالنّقل والوحي.
ويؤبّد المعنى الّذي ذهبنا إليه من أنّ الحديث لا ينصّ على أنّ كلّ زمان ما بعده شرّ منه قطعًا إلى قيام السّاعة، أنّه سيأتي زمان أفضل من كثير من الأزمنة المتقدّمة؛ فقد أخبر - ﷺ - أنّه ستكون خلافة على منهاج النُّبوَّة، قال - - ﷺ -: " ثمّ تكون مُلْكًا جبريّة فتكون ما شاء الله أن تكون ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعَها، ثمّ تكون خلافة على منهاج النُّبوَّة " (^١).
ومن الأحاديث الّتي يسوقونها لتعيش هذه الأمّة في يأس قوله - ﷺ -: " بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء " (^٢) والحديث ليس فيه شيء يوهم بما ذهبوا إليه من أنّ مصير الإسلام إلى ضعف؛ فالمعنى أنّ أهل الإسلام أَوَّل الأمر كانوا قلّة، وهم في آخر الزّمان كذلك إلاّ أنّهم خِيَار (^٣).
قلتُ: وكثرة المسلمين أو قلّتهم لا تعني قوّة للإسلام ولا ضعفًا؛ فالإسلام دين الله تعالى، ودين الله منصور بخِيَار هذه الأمّة على قلّتهم بإذن الله إلى قيام السّاعة.
والحديث فيه بشارة إلى استمرار هذا الدّين إلى آخر الزّمان، وأنّ الّذين يشهدون غربة الإسلام ويتمسّكون به لهم منزلة عظيمة عند الله تعالى!
ولا أعلم حديثًا صحيحًا يُفهم منه أنّ النَّبيَّ - ﷺ - يدعو الأمّة إلى القنوط، فلا يُتَصوَّرُ ذلك، وقد أُنْزِلَ عليه وعد الله للمؤمنين - عموم المؤمنين - بالنّصر: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الرّوم] والنّجاة: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا
_________________
(١) أحمد " المسند " (ج ١٤/ص ١٦٣/رقم ١٨٣١٩) وإسناده صحيح.
(٢) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّوويّ" (م ١/ج ١/ص ١٧٦) كتاب الإيمان.
(٣) انظر " تأويل مختلف الحديث " ابن قتيبة (ص ١٠٩).
[ ١٢٣ ]
عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يونس] والدّفاع عنهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا (٣٨)﴾ [الحجّ] والولاية لهم: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا (٢٥٧)﴾ [البقرة] والمعيّة: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾ [الأنفال] والاستخلاف في الأرض: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا (٥٥)﴾ [النّور].
ولا يتصوّر أنّ النَّبيَّ - ﷺ - يدعو إلى اليأس وقد أنزل الله عليه وعده بإحباط كيد الكائدين: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطّارق] وردّ مكر الماكرين: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال].
كما أنّ هناك آيات كثيرة جزمت بانتصار الإسلام، والتّمكين له، وإظهاره على الدّين كلّه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التّوبة] ووردت هذه الآية في سورة الصّف باللفظ نفسه، ووردت في سورة الفتح بلفظ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح].
كما جزمت الآيات بأنّ الكفر إلى زوال لا محال، وأنّ الغلبة لهذا الدّين: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾ [آل عمران] وأن أعداء الإسلام لن يفلحوا، وأنّ العاقبة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾ [الأنعام].
[ ١٢٤ ]
ولكن لا بُدَّ من عقبات وكبوات، ولا بُدَّ من تنغيص وتمحيص، ولا بدّ من بأساء وضرّاء: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة].
ومتى كانت هذه الأمّة على ما كان عليه النّبيّ - ﷺ - من نُصْرةٍ لدين الله تحقّق لها وَعْدُ الله بالنّصر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمّد].