ورد في بعض كتب السّيرة والتّفسير والحديث فِرْيةٌ لا مِرْيةَ فيها، خلاصتها أنّ سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحجّ] أنّ النَّبيَّ - ﷺ - تمنّى لو أنزل الله عليه آية يستميل بها قلوب المشركين، حتّى أنزل الله عليه سورة النّجم، فلمّا بلغ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النّجم] ألقى الشّيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى).
وقد اختلفت طرائق وألفاظ هذه الرّواية لكنّها اتفقت في خلاصتها، مع أنّ الآية الكريمة ليس فيها تصريح أو تلميح لهذه القصّة المردودة عقلًا ونقلًا، وليس في الآية إسناد شيء إلى النَّبيِّ - ﷺ -، وإنّما تضمّنت حالة من كان قبله من الرّسل إذا تمنّوا.
[ ٩٦ ]
ومعتقد كلّ مسلم يؤمن بالله ورسوله ويتّبع سبيل المؤمنين أنّ ما جاء به - ﷺ - وحي، بشهادة الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النّجم] وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ (١٧٠)﴾ [النّساء] وأنّ النَّبيَّ - ﷺ - لا تَنْفَكُّ عنه صِفَةُ العِصْمة عن المعاصي الاعتقاديّة والقوليّة، والفعليّة، فضلًا عن عصمته عن الكتمان والتّحريف، والخطأ والغلط والنّسيان فيما أمره الله بتبليغه، وأنّ الله تعالى لا يقرّه على كذب أو باطل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ [الحاقّة] وأنّ الوحي معصوم، وأنه نزل به بالحقّ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ (١٠٢)﴾ [النّحل] وأنّ الشّياطين لا يكون لها أن تتنزَّلَ به: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ [الشّعراء].
فقد عصم الله تعالى نبيّه من الشّيطان في جسمه وخاطره ولسانه، ولذلك تقول عائشة ﵂ لمّا خرج رسول الله - ﷺ - من عندها ليلًا: " فَغِرتُ عليه، فجاءَ فرأى ما أصنعُ، فقال: ما لك يا عائشةُ، أغرتِ؟ فقُلتُ: ومالي لا يَغارُ مثلي على مثلكَ، فقال رسول الله - ﷺ -: أقَد جاءك شيطَانُك؟ قالت: يا رسول الله، أومعيَ شيْطانٌ؟! قال: نعم، قُلْتُ: ومعَ كلّ إنسان؟! قال: نعمْ، قُلتُ: ومعَكَ يا رَسُولَ الله؟! قال: نعم، ولكنّ ربّي أعانني عليه حتّى أسلم " (^١).
وفي عقيدتنا أنّ الله حَفِظَ القرآنَ للنَّبيِّ - ﷺ - في حالتي النّوم واليقظة، يقرأه في يُسْر وسهولة، قال النَّبيُّ - ﷺ - فيما يرويه عن ربّه إنّ الله تعالى، قال: " إنّما بعثْتُك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسِلُهُ الماءُ، تقرَؤهُ نائمًا ويقظان " (^٢) فالقرآن محفوظ.
_________________
(١) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٩/ج ١٧/ص ١٥٨) كتاب صفة القيامة.
(٢) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٩/ج ١٧/ص ١٩٧) كتاب الجنّة وصفة نعيمها.
[ ٩٧ ]
ولمّا طلب المشركون من النَّبيِّ - ﷺ - أن يأتي بقرآن غيره أو يبدّله، قال الله له: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس].
ولذلك وصف الله تعالى القرآن الكريم بأنّه كتاب عزيز: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصّلت] وكيف لا يكون كذلك، وهو من لدن عزيز حكيم؟! ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزّمر] وقد وردت هذه الآية باللفظ نفسه في غير سورة، فقد وردت في الزّمر، والجاثية، والأحقاف؛ ليؤكّد الله تعالى أنّ هذا القرآن منيعُ الجَنَابِ عزيز لا تقوى شياطينُ الإنس والجنّ على محاكاته، حتّى بعد وفاة النَّبيِّ - ﷺ -!
ومن انخدع بهذه القصّة فقد ظلم نفسه، فقد بيّن الله تعالى أنّ الّذين ورثوا الكتاب من عباده أقسام ثلاثة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر].
وهذه الرّوايات الّتي تتحدّث عن هذه القصّة أخرج جُلَّها الطّبريُّ في تفسيره (^١)، وقد اختلفت هذه الرّوايات في أسانيدها، وألفاظ متونها، فضلًا عن المناسبة الّتي قيلت فيها، لكنّها اتّفقت في معناها، وهي روايات كلّها مُرْسَلة، أو ضعيفة، أو كلاهما معًا.
فقد أخرج الطّبريّ رواية من طريق أبي معشر، عن محمّد بن كعب القرظي، ومحمّد بن قيس المدني، وهذه الرّواية فيها علّتان: الأولى: الإرسال، محمّد بن كعب، ومحمّد بن قيس تابعيّان، والثّانية: الضّعف؛ فإنّ الرّواي عنهما أبومعشر، واسمه نجيح بن عبد الرّحمن
_________________
(١) الطّبري: " تفسير الطّبري " (م ٩/ ص ١٧٤/ رقم ٢٥٣٢٧) سورة الحجّ.
[ ٩٨ ]
السّندي، قال عنه الحافظ: " ضعيف، أَسَنَّ واخْتَلط " (^١).
وليس الكتاب موضوعًا لبحث هذه الرّوايات، وقد نبّه إلى بطلانها غير عالم، ومنهم القاضي عياض في كتابه (الشّفا) (^٢) وابن حزم في كتابه (الفِصَل) قال ابن حزم: " وأمّا الحديث الذي فيه: وإنّهنّ الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى. فكَذِبٌ بحت موضوع؛ لأنّه لا يصحّ قطّ من طريق النّقل، فلا معنى للاشتغال به، إذ وَضْع الكذب لا يعجز عنه أحد " (^٣) ومن العلماء من أفْرَدَ لها كتابًا، ومنهم الألباني في كتابه (نصب المجانيق لنسف رواية الغرانيق).
وقد وردت هذه الرّواية عند الطّبراني في (المعجم الكبير) (^٤) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، وهي مرسلة؛ لأنّ عروة بن الزّبير بن العوّام، تابعيّ.
وقد يقول قائل: إنّ الآية تؤكّد هذه القصّة، فالله تعالى يقول ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (٥٢)﴾ [الحجّ] والجواب أنّ هذه الآية ليس فيها إسناد شيء إلى النَّبيِّ - ﷺ -، وإنّما تتحدّث عن حالة مَنْ كان قبله من الأنبياء والمرسلين كما تقدّم. والنَّبيُّ - ﷺ - - كسائر الأنبياء - معصوم عن الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه لا سَهْوًا ولا عَمْدًا.
وقد يقول آخر: أخبر الله تعالى أنّه ﷻ ينسخ ما يلقي الشيطان في أمنيّة النَّبيِّ أو الرّسول، فلماذا لم يمنع الله تعالى الشّيطان من أوّل الأمر أن يلقي شيئًا؟!
وقد أجاب القرآن عن ذلك، قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا
_________________
(١) ابن حجر " تقريب التّهذيب " (ص ٥٥٩/رقم ٧١٠٠).
(٢) القاضي عياض " كتاب الشّفا " (ص ٢٩٤).
(٣) ابن حزم: " الفِصَل " (ج ٢/ ص ٣١١).
(٤) الطّبراني " المعجم الكبير " (ج ٩/ص ٢١/رقم ٨٣١٦).
[ ٩٩ ]
الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ [الحجّ].
وبعد ذلك بيّن الله تعالى أنّ الكفّار سيظلّون إلى يوم القيامة يشكّكون ويضلّلون، ولن تضرّنا شبهاتهم في شيء، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هكذا بصيغة المضارع لإفادة التجدّد والاستمرار ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ أي في شكٍّ من القرآن وتشكيكٍ فيه ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾ [الحجّ].