من الدّعاوى الّتي ملأ الجهلاء بها ما بين الخافقين ضجيجًا وعجيجًا، زعمهم أنّ القرآن الكريم فيه آيات ينقض بعضها بعضًا، ويردّ بعضُها الآخر، ولا أعدو الحقيقة إن قلت: ما من مخلوق نظر في كتاب الخالق يلتمس عيبًا ليطعن فيه إلاّ رجع إليه بصره خاسئًا ذليلًا! فكيف يكون في القرآن تناقض واختلاف، وهو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصّلت] وإنّما هي دعوى مَنْ لا دراية له بمبادئ علوم القرآن فضلًا عن غوامضها، ولذلك فإنّ أيّ قصور في الجمع بين الآيات والتّوفيق بينها، فهو قصور تتّهم فيه العقول!
ومن ذلك قولهم: كيف نوفّق بين قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى
_________________
(١) انظر " الإصابة في تمييز الصّحابة " لابن حجر (م ٣/ج ٦/ص ٣٧٢).
(٢) انظر " فتح الباري على صحيح البخاري " لابن حجر (ج ١٣/ص ٤٦٩).
[ ١٠٤ ]
وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً (٣)﴾ [النّساء] وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ (١٢٩)﴾ [لنّساء] قالوا: آية تشترط العدل لتعدّد الزّوجات وتثبت إمكان وقوعه، وآية تنفي العدل وإمكان تحقّقه! وقالوا: ولماذا لم يُقتصر على الواحدة طالما أنّ العدل بين النّساء مَنْفِيٌّ بصريح الآية؟! وكيف يُكَلَّفُ الرِّجالُ العَدْلَ بين النّساء ويخبر أنّهم لا يستطيعونه؟!
وقد أجاب سَلَفُنا عن ذلك ما خلاصته أنّ العدل المنفيّ غير العدل الأوّل، فالعدل في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً (٣)﴾ [النّساء] المراد منه العدل الظّاهر في القسمة والنّفقة بين الزّوجات، والتّسوية في حقوق النّكاح، ومعاشرتهنّ بالمعروف، وهو أمر مستطاع، والقيام به فرض، والعدل المنفيّ في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ (١٢٩)﴾ [النّساء] المراد منه العدل في المحبّة، وهو أمر باطن أخبر أنّهم لا يستطيعونه، ولم يكلِّفهم به، فلا إشكال بين الآيتين.
فالمراد أنّ الله كلَّفَ الرِّجالَ بالعدل الظّاهر المستطاع، وهو الإنفاق، والّذي أخبر عنهم أنّهم لا يستطيعونه لم يكلّفهم إيّاه، وهو مَيْلُ النّفس والمحبّة، فالعدل بين النّساء من كلّ جهة هو المنفيّ.
فإذا أدّى الرّجل لكلّ واحدة منهنّ كسوتها، ونفقتها، والإيواء إليها، لا يضرّه ميلُ قلبه إلى واحدة منهنّ دون سواها؛ ولهذا كان النَّبيُّ - ﷺ - يعدل بين أزواجه في الإنفاق، وقد أخرج الحاكم وغيره عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقسم فيعدلُ، فيقول: " اللهمّ هذا قَسْمِي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (^١) قال إسماعيل القاضي: يعني القلب وهذا في العدل بين نسائه. وصدق الله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي
_________________
(١) الحاكم " المستدرك " (م ٢/ ص ١٨٧) كتاب النّكاح، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
[ ١٠٥ ]
الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (٨٣)﴾ [النّساء].
قال الجهلاء: وكيف الجمع بين قوله تعالى في حقّ أمّة محمّد - ﷺ -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (١١٠)﴾ [آل عمران] وقوله تعالى في حقّ بني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة] وعضدوا جهالتهم بقولهم: كيف يستقيم هذا، وقد أكّد الله تعالى تفضيل بني إسرائيل على العالمين بأنْ ذكر الآية مرتين في السّورة نفسها، فقد قال الله في الآية الثَّانية والعشرين بعد المائة: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾ [البقرة] قالوا: وهذا التّكرير للتوكيد!
والجواب، أنّ تفضيل الله تعالى لبني إسرائيل لا يخفى أنّه كان على عالمي زمانهم، وهو من باب العام الّذي أُريْدَ به الخاص، والفعل (كان) في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ لا يراد به المضيّ والانقطاع، وإنّما يراد به الاستقبال والحال، وهذا الحكم جاء مُعَلَّلًا، فعلّة الخيريّة فسّر سببها قوله تعالى بعد ذلك ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (١١٠)﴾ [آل عمران] والآية وإن كانت خطابًا لأصحاب النَّبيِّ، فهي عامة في أمّة النَّبيِّ - ﷺ - الّتي لا يخلو عصر ممّن يأمر منها بالمعروف وينهى عن المنكر.
ومن باب العام الّذي يُرادُ به الخاص قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران] فالله تعالى لم يصطفهم على سيّدنا محمّد - ﷺ -، وإنّما أراد عالمي أزمنتهم. ولابن قتيبة في كتابه " تأويل مشكل القرآن " (^١) بحثٌ ثَرٌّ في ذلك.
قال الجهلاء: كيف عمّ الله تعالى الآيات بالإحكام في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ (١)﴾ [هود] وخصّ بعضها بالإحكام في سورة آل عمران فقال: ﴿هُوَ الَّذِي
_________________
(١) انظر " تأويل مشكل القرآن " لابن قتيبة (ص ٢٨١).
[ ١٠٦ ]
أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (٧)﴾ [آل عمران].
قالوا: وكيف يمكن التّوفيق بين آية ذكرت أنّ القرآن كلّه محكم: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ (١)﴾ [هود] وآية ذكرت أنّ القرآن كلّه متشابه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا (٢٣)﴾ [الزّمر] وزعموا أنّ بين الآيتين تعارضًا!
وخلاصة القول: القرآن الكريم منه آيات محكمات هنّ معظم الكتاب، ومنه آيات متشابهات. وقد جعله الله كلّه محكمًا في قوله ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ (١)﴾ [هود] بمعنى ليس فيه عيب، وجعله متشابهًا في قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا (٢٣)﴾ [الزّمر] بمعنى أنّه يشبه بعضه بعضًا في الحسن والصّدق وغير ذلك.
وعلى ذلك، فالإحكام الّذي عَمَّ به في سورة هود غير الذي خَصَّ به في سورة آل عمران، وما قيل في الإحكام يُقال في المتشابه. وهكذا يتّضح أنّ الإحكام لا يأتي على معنى واحد كما يتوهّمون، وقد ذكر ابن القيّم في (شفاء العليل) ثلاثة معان للإحكام (^١).
والجواب من وجه ثانٍ أنّ الله أوقع العموم على معنى الخصوص، أي ذكر أنّ الكتاب كلّه محكم وأراد الخصوص أو الجزء، ثمّ ذكر أن الكتاب كلّه متشابه وأراد الخصوص، وهو باب يُعرفُ في البلاغة بالمجاز المرسل وعلاقته هنا الكلّيّة.
قالوا: هناك تعارض بَيِّنٌ بيْنَ قوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] وقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾ [الطّور] فآية تنفي التّساؤل بينهم، وآية تثبته.
هذا، ولا تَشَابه بين الآيتين، فحين لا يتساءلون، فذلك حين ينفخ في الصّور النّفخة الأولى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون]
_________________
(١) ابن القيّم " شفاء العليل " (ص ١٩٣).
[ ١٠٧ ]
وكيف يتساءلون ولا يبقى حَيٌّ حينها في السّماء ولا في الأرض إلاّ ما شاء ربّك؟! قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزّمر] وعلى ذلك، فهم يتساءلون في النّفخة الأخرى الّتي يُبْعثون بها، فالآية توضّح الآية.
قالوا: وما قولكم في آية تنفي أن يكتم المشركون ربّهم حديثًا عمّا عملوه، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النّساء]، وآية تثبت أنهم يكتمون ويقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام].
وقد أجاب أهل التّأويل ما حاصله أنّ جوارحهم لا تكتم الله حديثًا، وإن جحدت بذلك أفواههم، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس] وذلك أنّهم لمّا رأوا أنه لا يدخل الجنّة إلاّ المسلمون، يجحدون بأفواههم أنّهم كانوا مشركين، فيختم الله على أفواههم وتنطق جوارحهم؛ فيعلمون أنّ اللهَ لا يُكْتَمُ حديثًا.
قالوا: فقد ذكر الله تعالى في سورة النّازعات خَلْقَ السّماء قبل خلق الأرض، فقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النّازعات].
وفي سورة فصّلت ذكر خلق الأرض قبل خلق السّماء، فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصّلت] فآيةٌ تُشعِرُ بأنَّ خلقَ السّماء مُتَقدِّمٌ على خلق الأرض، وآية تشعر بأنّ خلق السّماء متأخّر عن خلق الأرض؟!
قلت: المعنى الظّاهر أنّ الله تعالى خلق الأرض في يومين أَوَّلًا غير مدحوّة، ثمّ خلق
[ ١٠٨ ]
السّماء في يومين، ثمّ دحا الأرض وبسطها ومدّها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي مع اليومين الّلذين تقدّما قوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾؛ وعلى ذلك، فالأرض متقدّمة على السّماء خلقًا، متأخّرة عنها دحوًا، وهكذا يندفع الإشكال.
قالوا: لكنّ الله تعالى يقول في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ (٢٩)﴾ [البقرة] قالوا: وخَلْقُ ما في الأرض جميعًا لا يكون إلاّ بعد دحوها، والآية دلّت على أنّه تعالى خلق ما في الأرض جميعًا - أي أنّه دحاها - قبل خلق السّماء، وهذا يُبقي الإشكال قائمًا، ولا يندفع الإشكال بمثل هذا الجمع.
قلت: لعلّ هذه الآية أجملت ما فُصّل في سورة فصّلت من ترتيب خلق الأرض والجبال من فوقها، والمباركة فيها، وتقدير أقواتها، وخلق السّماء بعد ذلك، ثم دحو الأرض؛ فالقرآن يفسّر بالقرآن أوّلًا، فإن تعذّر فبالسُّنَّة، والله أعلم؛ فإنْ خَفِيَتْ حِكْمَةٌ فهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ [النّحل].
قالوا: ولِمَ خصّ الله تعالى الكفّار دون المؤمنين في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ (٢٠)﴾ [الحديد] قالوا: فهذا ممّا يستوي فيه الكفّار والمؤمنون، فلو أعجب نباتُ الغيث المؤمنين ما نقص إيمانهم شيئًا؛ فأيّ حكمة في إعجاب الكفّار دون المؤمنين؟
ولا يخفى أنّ الكفّار في الآية بمعنى الزُّرّاع، فالعرب تقول للزَّرَّاع: كافر؛ لأنّه يَكْفُر البَذر المبذور بتراب الأرض إذا أمَرّ عليها مالَقَه، فيستره، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ (٢٩)﴾ [الفتح].
قالوا: وكيف تكون القوارير وهي زجاج من فضّة؟ كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ (١٦)﴾ [الإنسان] قالوا: وكيف تكون الحجارة من طين؟ كما جاء في قوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ [الذّاريات] قالوا: وأيّ شيء أكثر من هذا
[ ١٠٩ ]
الاختلاف تريدون؟!
أمّا قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ (١٦)﴾ [الإنسان] فهذا على التّشبيه، أراد أنّها قوارير (أكواب) لها بياض الفضّة وصفاء الزّجاج يرى باطنها من ظاهرها. أمّا قوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ [الذّاريات] فذكر ابن عبّاس أنّها: الآجُرّ. والآجُرّ: طبيخ الطّين، أو حجارة الطّين؛ لأنّه في قسوة الحجارة ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية].
قالوا: فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النّساء] وكان: فعل معناه المضيّ والانقطاع؛ فكأنّه كان ثمّ مضى؟!
ولا يخفى أنّ فعل الكينونة جاء هنا بمعنى الدّوام والاستمرار والأزل والأبد، أَي أنَّ الله كان ولم يَزَلْ كذلك، وعلى هذا المعنى تُحْمَلُ جميع الصّفات الذّاتية المقترنة بالفعل كان، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾ [الأنبياء].
والفعل كان يأتي بمعان أخرى، فهو يأتي بمعنى الحال، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النّساء] وبمعنى الاستقبال: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان] وبمعنى صار: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [لبقرة] وغير ذلك.
قالوا: وكيف الجمع بين آية تصف الأولاد أنّهم زينة الحياة الدّنيا كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٤٦)﴾ [الكهف]، وآية تحذّر من الأولاد وأنّ منهم عدوًا يجب الحذر منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ (١٤)﴾ [التّغابن].
ومن قرأ أسباب النّزول زال عنه هذا الإشكال، فقد أخرج التّرمذي عن ابن عبّاس
[ ١١٠ ]
وسأله رجل عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ (١٤)﴾ [التّغابن]، قال: " هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكّة وأرادوا أن يأتوا النَّبيَّ - ﷺ - فأبى أزواجُهم وأولادُهم أن يَدَعُوهم أن يأتوا رسول الله - ﷺ -، فلمّا أتوا رسول الله - ﷺ - رأوا النّاس قد فقهوا في الدّين هَمُّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التّغابن] " (^١).
وبعض هذه المسائل المتقدّمة قديمة مُتَجَدِّدة، فقد روى البخاري عن سعيد، قال رجل لابن عبّاس: " إنّي أجد في القرآن أشياءَ تَخْتلفُ عليّ، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾ [الطّور].
﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النّساء] ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام] فقد كتموا في هذه الآية.
وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ [النّازعات] إلى قوله ﴿دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النّازعات] فذكر خلق السّماء قبل خلق الأرض، ثمّ قال ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ (٩)﴾ [فصّلت] إلى ﴿طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصّلت] فذكر في هذه خلق الأرض قبل السّماء.
وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النّساء] ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النّساء] ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [النّساء] فكأنّه كان ثمّ مضى!
فقال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النّفخة الأولى، ثمّ ينفخ ﴿فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي
_________________
(١) التّرمذي " الجامع الكبير " (م ٥/ص ٣٤٤/رقم ٣٣١٧) أبواب تفسير القرآن، وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (م ٢/ص ٤٩٠) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه ووافقه الذّهبي، وانظر " أسباب النّزول " للنيسابوري (ص ٢٤٠).
[ ١١١ ]
السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ (٦٨)﴾ [الزّمر]، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثمّ في النّفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.
وأمّا قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ﴾ فإنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون تعالوا نقول: لم نكن مشركين؛ فختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرِف أنّ الله لا يُكتمُ حديثًا، وعنده ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا (٤٢)﴾ [النّساء] الآية.
وخلق الأرض في يومين، ثمّ خلق السّماء، ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ في يومين آخرين، ثمّ دحا الأرض، ودَحْوُها أنْ أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله دحاها، وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَجُعِلت الأرضُ وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخُلِقت السماوات في يومين.
وكان الله غفورًا، سمّى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي لم يزل كذلك، فإنّ الله لم يُرد شيئًا إلاّ أصاب به الّذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلًاّ من عند الله " (^١).
هذا وينبغي للمسلم أن يتعلّم الإيمان قبل أن يتعلّم القرآن، ففي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن جندب بن عبد الله، قال: " كنّا مع النَّبيِّ - ﷺ - ونحن فتيان حزاورةٌ (^٢)، فتعلّمنا الإيمان قبل أن نتعلّم القرآن، ثمّ تعلّمنا القرآن فازددنا به إيمانًا " (^٣).
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري" (م ٣/ج ٦/ ص ٣٥) كتاب التّفسير.
(٢) حزاورة: جمع حَزْوَر وحَزَوّر، وهو الغلام إذا اشتد وقوي وقارب البلوغ، والتّاء لتأنيث الجمع " لسان العرب " ابن منظور (م ٣/ ص ١٥٠).
(٣) ابن ماجة " سنن ابن ماجة " (م ١/ص ٨٦) المقدّمة، وإسناده صحيح، رجاله ثقات. وأخرج نحوه البيهقي، وفي آخره زيادة: " وإنّكم اليوم تعلمون القرآن قبل الإيمان " البيهقي " الجامع لشعب الإيمان " (م ١/ص ١٥٢) وإسناده ضعيف؛ فيه الحجاج بن نُصَير الفساطيطي قال عنه ابن حجر: ضعيف كان يقبل التّلقين" تقريب التّهذيب " (ص ١٥٣/رقم ١١٣٩).
[ ١١٢ ]
وينبغي للمسلم أن يحذر من الّذين يتّبعون ما تشابه من القرآن وأشكل من السّنّة، قالت عائشة ﵂: " تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران] قالت: قال رسول الله - ﷺ -: " فإذا رأيت الّذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الّذين سمّى الله فاحذروهم " (^١).
وينبغي للمفسّر لكتاب الله تعالى أن يُحِيطَ بِعُلومٍ تعصم لسانه وقلمه من الخطأ، منها: الصّرف، والإعراب (ويجمعهما اسم النّحو) والرّسم (وهو العلم بأصول كتابة الكلمات) والمعاني، والبيان، والبديع (ويجمعها اسم البلاغة) وعلم أصول الدّين، وعلم أصول الفقه، وعلم أسباب النّزول، وعلم النّاسخ والمنسوخ، وعلم الأحاديث المبيِّنة لتغيّر المجمل والمبهم، إلى جانب معرفة الوجوه والنّظائر، ومعرفة الضمائر ومرجعها
وينبغي أن نعلم أنّه يُحْمَد التّفقه في الدّين والسّؤال عن العلم ومعرفة العِلَل إذا كان للعمل لا للمِراء والجدل، ويحمد إذا كان لزيادة الإيمان لا لتفريق القواعد والأركان، ويحمد إذا كان لتصحيح العقائد لا لتأييد مذهب أو إثبات معتقد، فخير السّؤال ما ورّث علمًا نافعًا، وخير العلم ما ورّث عملًا صالحًا.
كذلك فإنّه يُحمد أن تحدّث النّاس بما يعلمون لا بما يشتبه عليهم وينكرون، وما أحسن قول عليّ بن أبي طالب ﵁: " حدّثوا النّاس بما يعرفون؛ أتحبّونَ أن يُكَّذَّبَ اللهُ ورسُلُه؟! " (^٢).
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري " (م ٣/ج ٥/ص ١٦٦) كتاب تفسير القرآن.
(٢) البخاري " صحيح البخاري " (م ١/ج ١/ص ٤١) كتاب العلم. وبدأ به البخاري مُعلَّقًا في باب من خَصّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، ثم ذكر السّند من طريق أبي الطّفيل، وهو عامر بن واثلة الليثي ﵁ آخر الصّحابة موتًا.
[ ١١٣ ]