ما انفكّ أقوام عن إثارة الشّبهات حول الإسلام، ليَسْتعْدُوا أعداءَ الله على دين الله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصّف]، ومن هذه الشّبهات دعوى انتشار الإسلام بالسّيف.
ومن تدبّر القرآن الكريم علم أنّ الله تعالى قد أمر بالقتال لأغراض، منها: القتال لدفع الظّلم، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ أي للمؤمنين أن يُقَاتِلوا، وهذه أول آية نزلت في الجهاد ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي بسبب أنَّهم ﴿ظُلِمُوا﴾ لظلم الكافرين لهم والّذي دام قرابة ثلاثة عشر عامًا ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ وهم ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ (٤٠)﴾ [الحج].
فهاتان الآيتان نزلتا بعد أن مكث النّبيُّ - ﷺ - وأصحابه ﵃ في مكّة ثلاث عشرة سنة ممنوعين من القتال مأمورين بالصّبر على أذى الكفّار، حتّى أذن لهم بالقتال بعد الهجرة لدفع الظّلم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (٧٧)﴾ [النّساء].
فالقرآن المكيّ خلا تمامًا من الحضّ على القتال رغم الأذى الّذي لحق بالنَّبيِّ - ﷺ - وأصحابه ﵃، فكيف يُقال: الإسلام انتشر بالسّيف؟! هذه والله شبهة هالكة.
ومن أغراض القتال: قتالُ مَنْ يقاتلُ المسلمين، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة].
[ ٦٣ ]
ومنها: القتال لنصرة المستضعفين، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ (٧٥)﴾ [النّساء].
ولا أعلم آية في كتاب الله تعالى تدعو المسلمين إلى قتال مَنْ خالَفَنا وإكراههم على الدّخول في ديننا، فالنَّبيُّ - ﷺ - لمّا دخل المدينة وفيها يهود بني قينقاع، ويهود بني النّضير، ويهود بني قريظة صالحهم على ما هم عليه وهادنهم ووادعهم وأقرّهم وأمّنهم على أموالهم، واشترط عليهم واشترط لهم.
وعمر بن الخطّاب ﵁ لمّا تسلّم مفاتيح بيت المقدس كتب لأهلها كتاب أمان ومصالحة، عُرِفَ فيما بعد بالعهدة العمريَّة، وضرب عليهم الجزية، وأعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وكذلك فعل صلاح الدّين الأيّوبيّ.
ولو أراد النّبيُّ - ﷺ - أن يُكْرِهَ أحدًا على الدّخول في الإسلام لأكره أسرى بدر مثلًا، أو أكره كفّار قريش لمّا فتح مكّة، ومعلوم أنّه عفا عنهم ولم يُرِقْ دمًا؛ ولذلك جاء العرب بعد فتح مكّة من أقطار الأرض ودخلوا طائعين في دين الله أفواجًا، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النّصر] وانظر إلى قوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ فالفاعل هنا وهو الضمير المتّصل العائد على النّاس قد أُسْنِد إلى الدّخول، أي أنّهم دخلوا طوعًا من أنفسهم، ولم يقُل الله تعالى: يُدْخَلون بصيغة المبني للمجهول الّذي لم يُسَمَّ فاعله.
ثمّ كيف يُقال: الإسلام انتشر بالسّيف؛ وغزوة بدر، وأحد، والخندق - كبرى الغزوات في الإسلام - كلّها حدثت في المدينة المنورة؟! أليس هذا دليل على أنَّ المسلمين لم يخرجوا لقتال أحد وإنّما كانوا يدافعون عن أنفسهم!
وقد وضّح الله ﵎ أنّ الإسلام لا يكره أحدًا على الدّخول فيه، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (٢٥٦)﴾ [البقرة] وقال على لسان نبيّه: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ
[ ٦٤ ]
وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون].
أمّا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (٢٩)﴾ [الكهف] فلا يُفْهَمُ منه أنّ الإسلام يبيح الرِّدَّة كما روّج البعض؛ فهذا الأسلوب ليس أسلوب اختيار، وإنّما هو أسلوب تهديد (^١)، فقد خرج الأمْرُ عن معناه الأصليِّ للدلالة على معنى الوعيد والتّهديد، فالله تعالى جاء بصيغة الأمر في مقام عدم الرّضا منه بقيام المخاطب بفعل ما أمره به تخويفًا وتحذيرًا له.
وبلغ من حكمته - ﷺ - لمّا أراد تبليغ الرّسالة وأداء الأمانة للنَّاس كافّة أن بَعَثَ البْعوثَ ولم يبعث الجيوش، فأرسل الرّسل هنا وهناك يدعوهم إلى الإسلام. أخرج مسلم عن ابن عباس أنّ معاذًا قال:
" بعثني رسول الله - ﷺ - قال: إنّك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أنْ لا إله إلا الله وأنّي رسول الله، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم، فإنْ هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتّقِ دعوة المظلوم؛ فإنّه ليس بينها وبين الله حجاب " (^٢).
كما كتب إلى الملوك داخل وخارج جزيرة العرب كتبًا يدعوهم فيها إلى الإسلام دون أن يستلّ سيفًا، فكتب إلى هرقل ملك الرّوم، وكسرى ملك الفرس، والنجاشي ملك الحبشة، والمقوقس حاكم مصر، لكنّ حياة النّبيِّ - ﷺ - لم تطل بعد ذلك، فأصبح من واجب
_________________
(١) وله شواهد في الكتاب والسّنّة، منها قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ [فصّلت] وقوله - ﷺ -: " إذا لم تستح فافعل ما شئت " البخاري "صحيح البخاري " (م ٢/ج ٤/ص ١٥٢) كتاب أحاديث الأنبياء.
(٢) مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ١/ ج ١/ص ١٩٦) كتاب الإيمان. والبخاري "صحيح البخاري" (م ٤/ج ٨/ ص ١٦٤) كتاب التّوحيد.
[ ٦٥ ]
الخلفاء تبليغ الرّسالة وليس فرضها على النّاس.
لكنّ هؤلاء الأقوام أوصدوا الأبواب دونهم، وصَدُّوهم عن أداء الأمانة، وتبليغ الرّسالة كما فعل المشركون أوّل الأمر؛ فجاءت الفتوحات الإسلاميّة لدفع هؤلاء الّذين وقفوا في وجه الإسلام عملًا بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾ [الأنفال].
وهذه الآية الكريمة نزلت بأبي سفيان وأصحابه وقد سبقتها آيتان تتحدثان عن صدّ المشركين النّاس عن الدّخول في دين الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٣٤)﴾ [الأنفال] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال] ثمّ جاءت الآية الكريمة والأمر بقتال هؤلاء الذين وقفوا في وجه الدّعوة.
وقد يُحْمَل معنى الأمر في قوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ (٣٩)﴾ [الأنفال] أنّ هذا الأمر جاء لمّا كان الإسلام قليلًا، ففي الصّحيح عن نافع أنّ رجلًا أتى ابن عمر، فقال:
" يا أبا عبد الرّحمن، ما حملك على أن تحجّ عامًا وتعتمرَ عامًا وتتركَ الجهادَ في سبيل الله ﷿ وقد علمتَ ما رغّبَ اللهُ فيه؟! قال: يا ابن أخي، بُنِيَ الإسلامُ على خمس (^١): إيمانٍ بالله ورسوله، والصّلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزّكاة، وحجّ البيت. قال: يا أبا عبد الرّحمن، ألا تسمعُ ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ (٩)﴾ [الحجرات] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ (٣٩)﴾ [الأنفال] قال: فعلْنا على عهد
_________________
(١) أراد أنّ الإسلام لم يبن على القتال.
[ ٦٦ ]
رسول الله وكان الإسلام قليلًا، فكان الرّجل يُفْتنُ في دينه، إمّا قتلوه، وإمّا يُعذّبوه حتّى كثُرَ الإسلام فلم تكنْ فتنةٌ " (^١).
وقد مكّن الله للمسلمين في الأرض لمّا علم صدق نيّاتهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج].
هذه هي الغاية من الفتوحات كما جاء في الآية: تبليغ الرّسالة، وأداء الأمانة، وإقامة الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وليس العُلوّ في الأرض، ولا أنّ الدّخول في دين الله واجب فرض.
أمّا من يحتجّ بحديث النَّبيِّ - ﷺ -: " أُمِرْتُ أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّدًا رسول الله، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزّكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّ الإسلام، وحسابهم على الله " (^٢).
فالمراد بالنَّاس في قوله - ﷺ -: " أمرت أن أقاتل النَّاس " أي المشركين؛ فهو من باب العام الذي أريد به الخاص، فهو خاص بكفَّار قريش من غير أهل الكتاب؛ ويؤيد هذا رواية النسائي بلفظ: " أُمِرْتُ أن أقاتل المشركين" فقد أخرج النّسائي بسند صحيح عن أنس بن مالك، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: " أُمِرْتُ أن أقاتل المشركين حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدًا عبده ورسوله " (^٣).
ثمّ إنّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: " أُمِرتُ " ولم يقل: أمرْتُكم، أو أمرَكُم اللهُ! فإذا قال قائل: الحديث يحتمل غير هذا المعنى؟ قلنا: نعم، الحديث يحتمل غير هذا المعنى، ولكن هذا معنى
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري " (م ٣/ج ٥/ص ١٥٦) كتاب تفسير القرآن.
(٢) البخاري عن ابن عمر "صحيح البخاري " (م ١/ ج ١/ ص ١١) كتاب الإيمان.
(٣) النّسائي " سنن النسائي " (ج ٧/ص ٧٥) كتاب تحريم الدّم، وهو في " صحيح سنن النسائي " للألباني (ج ٣/ص ٨٣٤/رقم ٣٧٠١).
[ ٦٧ ]
معتبر، فالأصل أنّ دم الآدميّ معصوم لا يُقْتل إلاّ بالحقّ، وليس القتلُ للكفر من الأمور الّتي اتَّفقت عليها الشّرائع.
ونحن إذ نقول هذا الكلام لا نقوله لنسخ الجهاد، فنحن ندين بأن الجهاد فريضة، وأوجبه الله بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة] وآية القتال محكمة لا نسخ فيها، قال تعالى فيمن سقمت سريرتهم: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ (٢٠)﴾ [محمّد] ولكن الجهاد له أحكامه، وأغراضه، وضوابطه، وأصوله المبيّنة في الشَّرع.
أمّا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة] فإنّ الآية الكريمة تتحدَّثُ عن الجزية (^١) الّتي فرضها الله تعالى على الذّميين وهي تقابل فرض الزّكاة على المسلمين، وعلى ذلك فالآية أصْلٌ في مشروعيّة الجزية، وتأمر المسلمين بمقاتلة مَنْ ينقضُ عهد الذّمة بالامتناع عن الجزيّة، لا بمقاتلة النّاس لإكراههم على الدّخول في دين الله.
وقد يعترض علينا معترض فيقول: ولكنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قاتل الرُّوم في مؤتة؟! فعلى أيّ شيء قاتلهم؟
والجواب أنّ النَّبيَّ - ﷺ - لم يقاتلهم ليحملهم على الدُّخول في الإسلام، وإنَّما قاتلهم لأنّهم قَتَلوا رسوله، فقد كان - ﷺ - قد بعث الصَّحابيّ الجليل الحارث بن عمير الأزدي اللهبي بكتابه
_________________
(١) الجزية: مبلغ من المال يؤخذ ممَّن دخل في ذمّة المسلمين وعهدهم من أهل الكتاب نظير حمايتهم في البلاد الإسلاميّة التي يقيمون فيها، أو في أماكنهم المستقلّين فيها بعيدًا عن المسلمين، إذا رغبوا الدخول في ذمّتهم.
[ ٦٨ ]
إلى عظيم بصرى، فلمَّا نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه، ثمَّ قدَّمه، فضرب عنقه
ولو سلّمنا أنّ الإسلام انتشر في عهد النَّبيِّ - ﷺ - بالسّيف - والأمر ليس كذلك - فلماذا ينتشر الآن في أصقاع الأرض دون سيف؟! ولكن الحقيقة كما قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (٣٠)﴾ [الرّوم].
فالله خلق الإنسان قابلًا للإقرار بالله ومعرفته والإيمان به وتوحيده، قال تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (٣٠)﴾ [الرّوم] واللَّفظ ظاهِرُه النّفي والمراد النّهي، أي لا تبدّلوا خلْقَ الله، فالآية وإن كانت خبريّة لفظًا، فهي إنشائيّة معنى، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة] والمعنى: انتهوا. ثمّ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الرّوم].
ثمَّ إنَّ الإسلام لا يعتدُّ بإيمان من آمن كرهًا ولم يؤمن طوعًا، يقول تعالى مخبرًا عن قيل فرعون حين أشفى على الهلاك وأيقن بالموت غرقًا: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس] فلم يقبل الله تعالى إيمانه، وقال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس].
فمثل هذا الإيمان لا يقبله الله تعالى، ولذلك أخبر الله تعالى عن قوْمٍ مكذّبين آمنوا بعد نزول العذاب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾ [غافر] فلم يعتبر الله إيمانهم، وقال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا (٨٥)﴾ [غافر].