هذه دعوى باطلة يرمي أصحابها إلى تعطيل العمل بالسُّنَّة، ويبرّرون دعواهم بأحاديث أشهرها ما رواه مسلم عن أنس: " أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ بِقَوْم يُلقِّحون، فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ. قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قلت: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلمُ بأَمْر دُنْيَاكُمْ " (^١).
والجواب عن هذه المسألة يسير؛ فنصوص القرآن تشهد على حُجِّيَّة السُّنَّة، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (٨٠)﴾ [النّساء] وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر] وهذه النّصوص وغيرها تدلّ دلالة قطعية على حُجِّيَّة السُّنَّة.
والسّنّة عندنا بمرتبة القرآن من حيث أنّها وحي، أمّا إذا كانت باجتهاد منه - ﷺ - فإنَّ الله لا يُقِرُّه على اجتهاد خطأ، فيأتيه الوحي بالإقرار أو بالتّصحيح، وعلى ذلك فالسّنّة مردّها إلى الوحي.
وقد تقدّم قول النَّبيِّ - ﷺ -: " والذي نفسي بيده ما يخرج ممّا بينهما إلاّ حقّ " (^٢) وما دام
_________________
(١) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٨/ج ١٥/ص ١١٨) كتاب الفضائل.
(٢) الحاكم " المستدرك " (ج ١/ص ١٠٤) كتاب العلم.
[ ٧٦ ]
أنّ النَّبيَّ - ﷺ - لا يخرج من فمه إلاّ الحقّ، فهذا دليل على أنّه معصوم، وما خرج من فمه من القرآن فهو وحي متلوّ، وما خرج من فمه سوى ذلك فهو وحي مَرْويٌّ. وقد دلّت الآيات أيضًا على أنّ السّنّة وحي، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ (١١٣)﴾ [النّساء] والحكمة يحمل معناها على السّنّة المبيّنة لأحكام الله تعالى.
والّذين يبغضون سنّة النَّبيِّ - ﷺ - الدّالّة على عوارهم لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر] والّذين يُعرِضون عنها لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إلى الكتاب والسّنّة ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾ [النّور] وليعلم هؤلاء أنّهم قد خانوا الله بتعطيل أمره، وخانوا الرّسول بتعطيل سنّته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال].
بل كان الواجب عليهم أن يصغوا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النّور] وأن يسمعوا قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي طاعة معروفة للنَّبيِّ - ﷺ - خير من قَسَمِكُم الّذي لا تصدقون به ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النّور].
وعلى هذا يخطئ مَنْ يظنّ أنّ السّنّة ليست وحيًا كلّها، وأنّه غير ملزم بها؛ فإجماع المسلمين على أنَّ كلّ ما ورد عن النَّبيِّ - ﷺ - من قول أو فعل أو تقرير، وكان المقصود به التّشريع والاقتداء، ونُقِل إلينا بسند صحيح؛ فهو حجّة على كلّ من يقول لا إله إلاّ الله وأنّ
[ ٧٧ ]
محمّدًا رسول الله!
أمّا الحديث الّذي رواه مسلم، فالنَّبيُّ - ﷺ - يتحدّث عن أمر مباح من أمور الدّنيا ومعايشها وهو أبار (تلقيح) النّخل، وهو نصّ على وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره من معايش الدّنيا على سبيل الرأي. أمّا ما قاله - ﷺ - باجتهاده، ودلّ دليل على أنّ المقصود من فعله الاقتداء به كان تشريعًا يجبُ الأخذ به.
وهناك منْ يحمل على الإمام مسلم، وينكر هذا الحديثَ الصّحيح الّذي رواه، ويقول: إنّ تلقيح النّخل لا يجهله النَّبيُّ - ﷺ -
وغرضه من ذلك التّعريض بالشّيخين، والنّيل من أصحّ الكتب بعد كتاب الله تعالى!
هذا، وخير من تلقّى السّنّة عن النَّبيِّ - ﷺ - أصحابه ﵃ واجبًا كان أو مندوبًا، قال حذيفة ﵁: " حدّثنا رسول الله - ﷺ - حديثين رأيتُ أحدَهُما، وأنا أنتظر الآخر، حدّثنا: أنّ الأمانة نزلت في جذور قُلُوب الرّجال، ثمّ عَلِموا من القرآن، ثمّ علموا من السّنّة " (^١).