حسَّان بن ثابت الأنصاري، شاعر الرّسول - - ﷺ - - في أيّام النُّبوَّة، وشاعر اليمن كلّها في الإسلام، وفي الصّحيحين من طريق سعيد بن المُسيَّب، قال: " مرَّ عُمَرُ في المسجد وحسّانُ يُنْشدُ، فقال: كنْتُ أنْشدُ فيه وفيه من هو خيْرٌ منْكَ، ثمَّ التفَتَ إلى أبي هُريْرة، فقال: أنْشُدُكَ بالله، أسمِعْتَ رسول الله يقول: أجبْ عنِّي، اللهمّ أيّده بروح القُدُس، قال: نعم " (^٢).
وفي الصّحيحين من طريق البَرَاء بن عازب، قال: قال النَّبِيُّ - - ﷺ - - لحسّان: " اهْجُهُم أو هاجِهِم وجبريل معك " (^٣).
وهذا واجب كل مسلم يَسْمَعُ أذى موجهًا للنَّبيِّ - - ﷺ - - أن يُجِيبَ عنه - - ﷺ - - وأن ينافح عنه لطلب النّبيّ - - ﷺ - - من أصحابه ذلك بعد أن آذاه من آذاه، فقد ندب - - ﷺ - - المسلمين أن
_________________
(١) الحاكم: " المستدرك " (ج ٣ / ص ٢٠١) كتاب معرفة الصّحابة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه.
(٢) البخاري " صحيح البخاري " (م ٢/ج ٤/ص ٧٩) كتاب بدء الخلق. ومسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٨/ج ١٦/ص ٤٥) كتاب فضائل الصّحابة.
(٣) المرجع السَّابق.
[ ٣٥ ]
يدافعوا عنه لما للكلمة من تأثير ووقع، فأرسل إلى عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، لكنّه لم يَرْضَ إلاّ عن أسد الشّعراء حسَّان، ففي الصّحيح عن عائشة أنّ رسول الله - - ﷺ - ـ، قال:
" اهْجوا قُريْشًا، فإنّه أشدُّ عليها من رَشْق بالنَّبْل، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهْجُهُم، فلم يُرْض، فأرسل إلى كعْب بن مالك، ثمَّ أرسل إلى حسّان بن ثابت، فلمّا دخل عليه، قال حسّان: قدْ آنَ لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضَّارب بذَنَبِه (^١)، ثمّ أدْلعَ (أخرج) لسانه فجعل يُحرّكه، فقال: والّذي بعثَكَ بالحقّ لأفرينّهم بلساني فرْيَ الأديم، فقال رسول الله: لا تعجل فإنّ أبا بكر أعلمُ قريش بأنسابها، وإنّ لي فيهم نسبًا حتّى يُلخّصَ لك نسبي، فأتاه حسّان، ثمّ رجع، فقال: يا رسول الله قدْ لخّصَ لي نسبك والّذي بعثك بالحقّ لأسلّنّك منهم كما تسلُّ الشّعرة من العجين، قالت عائشة: فسمعتُ رسول الله - - ﷺ - - يقول لحسّان: إنّ روح القدس لا يزال يؤيّدك ما نافحْتَ عن الله ورسوله، وقالتْ: سمعتُ رسول الله - - ﷺ - - يقول: هَجَاهم حسّان فشفى واشْتَفى، قال حسّان:
هجَوْتَ محمّدًا فأجبتُ عنْهُ وعنْد الله في ذاكَ الجزاءُ
هجوْتَ محمّدا بَرًّا حنيفا رسول الله شيْمتُه الوفاءُ
فإنّ أبي ووالدُهُ وعِرْضي لعِرْض محمّدٍ منكم وقاءُ" (^٢)
وهذه الأبيات قالها حسّان قُبَيْلَ فتح مكّة، قالها في مدح النَّبيِّ - - ﷺ - - وهجاء قريش، فوقعت كلماته في نفوسهم موقع السِّهام في شغاف القلوب فآلمهم وأبكمهم، والقصيدة بطولها في ديوانه، ومنها قوله ﵁:
وقال الله قد أرْسلتُ عَبْدًا يقول الحقّ ليس به خفاءُ
وقال الله قد يسّرتُ جنْدًا هم الأنصار عرْضَتُها اللقاءُ
_________________
(١) شبه حسّان نفسه بالأسد ولسانه بذنبه.
(٢) مسلم " صحيح مسلم بشرح النووي " (م ٨/ج ١٦/ص ٤٨) كتاب فضائل الصّحابة.
[ ٣٦ ]
يلاقي كلّ يوم من معدّ سبابٌ أو قتالٌ أو هِجَاءُ
فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحُهُ وينْصُرُهُ سواء
لساني صارمٌ لا عيْبَ فيه وبحري لا تكدِّرهُ الدِّلاءُ
وقال يمدح النَّبيَّ - - ﷺ - ـ:
وأحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني وأجملَ منكَ لم تلدِ النّساءُ
خُلقتَ مبرّأً من كلّ عيْب كأنك قد خُلقْتَ كما تشاءُ (^١)
وما من شكّ في أنّ دفاع حسان بن ثابت ﵁ بلسانه عن النَّبيِّ - - ﷺ - - كان له تأثير أبلغ من السّيف، فالشّعر له وقع في النّفس، ويتناقله النّاس ويظلّ قرونا، وقد أصاب وأحسن يعقوب الحمدونيّ حين قال:
وقدْ يُرْجى لجرح السّيف بُرْءٌ ولا بُرْء لما جَرَحَ اللِّسانُ
كما أحسن من قال:
وجرحُ السَّيف تَدْمِلُه فيبرا ويبقى الدّهرُ ما جَرَحَ اللسانُ
* * *
_________________
(١) " ديوان حسّان" (ص ١٧)
[ ٣٧ ]