في كتاب الإيمان باب بعنوان (علامة الإيمان حبّ الأنصار) أورد فيه البخاري حديثًا عن عبد الله بن جابر قال: سمعت أنسًا ﵁ عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: " آية الإيمان حبّ الأنصار وآية النفاق بُغْضُ الأنصار " (^١).
قلت: وإن كان المراد في الحديث الشّريف الصّحابة من أهل المدينة، إلاّ أنّ الصّحابة كلّهم أنصار لله ورسوله - ﷺ -؛ فالمهاجرون كانوا أنصارًا لله ورسوله، قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر].
وعقيدتنا أنّهم عدول لا نفرق بين أحد منهم، بل نتبعهم بإحسان؛ لننال رضا الله، فهذا واجب كلّ مسلم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ (١٠٠)﴾ [التوبة].
وقد أوجب الله علينا الدُّعاءَ والاستغفار لهم، وألاّ يكون في قلوبنا غِلٌّ على أحد منهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر].
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري " (م ١/ج ١/ص ١٠) كتاب الإيمان.
[ ١٢٨ ]
واعجَبْ كيف يذكرهم أقوام بسوء وهم يقرؤون كلام الله تعالى! حتّى الصّدّيق ﵁ لم يَسْلَمْ من ألسنتهم، مع أنّه لا يتقدّم عليه بالفضل أحد إلا الأنبياء والمرسلون! فما طلعت الشّمس ولا غربت بعد النّبيّين والمرسلين على رجل أفضل منه، رجل سَلِمَ من عتاب الله تعالى، بل وامتدحه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ (٤٠)﴾ [التّوبة].
والذين يظنّون ظنّ السّوء ببعض أصحاب النَّبيِّ - ﷺ - ويجرحونهم فريقان: فريق جاهل، وفريق مقلّد لآبائه وأجداده، وليس للفريقين عُذْرٌ عند الله؛ فالجهل بالصّحابة وقدرهم لا يعفي أحدًا من السّؤال أمام الله، فقد نهى الله تعالى كُلَّ أحد عن أن يقول ما ليس له به علم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء].
والتّقليد الّذي هم عليه، وإمهال الله لهم ليس دليلًا على رضا الله عنهم: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام].
وإذا تقرّر أنّ الله نهى عن اتِّباع الإنسان ما ليس له به علم؛ فلا يكون لمخلوق أن يرمي أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - بما لم يوقن أنّه فيه، ولا أن يحكم عليه بالظّن: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٣٦)﴾ [يونس].
فالحكم بالظّنّ لا يحلّ، قال تعالى ذامًّا لأقوام: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾ [الجاثية] وقال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ [الزّخرف] وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ [الذّاريات]، وقال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ (١٢)﴾ [الحجرات] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا
[ ١٢٩ ]
تَهْوَى الْأَنْفُسُ (٢٣)﴾ [النّجم].
فمن قدح في الصّحابة بعد أن جاءه من ربه الهدى، متمسكًا بحجج واهية تمسّك الرّضيع بالظّئر، فأمره إلى الله ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة] وكلّ من خالف الله ورسوله فلا برهان له أصلًا؛ وإنما كلّف الإتيان ببرهان تبكيتا وتيئيسًا!
وليس عذرًا التّقليد، فالتّقليد الأعمى ذمّ الله به الكفّار في غير آية، ومن الآيات التي نَعَت هؤلاء المقلّدين، وذمّت طريقتهم، قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة] وقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ [الزّخرف] والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلّها تدلّ على منع التّقليد، وضلال متَّبعه سواء قلّد مُحِقًّا أو مُبْطلًا؛ فالمقلّد قد هيّأ نفسه أن يتّبع سبيل التّقليد بعصبيَّة مقيتة، وصدق الله إذ قال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (١١٦)﴾ [الأنعام].
قلت: وليس في كتاب الله تعالى آية تدلّ على عدم عدالة أحد من الصّحابة، ومن قال خلاف ذلك، فهو من وَضْعِ القرآن في غير موضعه، وتفسيرهِ بغير معناه ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب].
ولَرُبَّ معترضٍ من هؤلاء الّذين ما قدروا أصحاب النَّبيِّ - ﷺ - حقّ قدرهم يحتجّ بآية أو حديث في إكفاره لهم، فمنهم من يتعلّل بقول النَّبيِّ - ﷺ -: " ليَردَنَّ عليَّ الحوضَ رجالٌ ممّن صاحبني حتّى إذا رأيتهم ورُفِعُوا إليّ اخْتُلِجُوا دُوني، فلأقولنّ: أيْ ربّ، أُصَيْحابي،
[ ١٣٠ ]
أُصَيحابي، فليُقَالنّ لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (^١).
ويظنّون أنّ هذا الحديث الشّريف يُدين أصحاب النَّبيِّ - ﷺ -، ويجيئون به كدليل يحتجّون به على إكفارهم لأصحاب النَّبيِّ - ﷺ -: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم].
والحديث صحيح رواه مسلم عن أنس بن مالك، ورواه غيره بأسانيد وطرائق متكاثرة، وهو عند البخاري عن ابن عبّاس ﵄ قال: خطب رسول الله - ﷺ - فقال: " ألا وإنّه يجاء برجال من أمّتي فيُؤخذُ بهم ذات الشّمال فأقول: يا ربّ، أصيحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بَعْدك، فأقول كما قال العبد الصّالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ (١١٧)﴾ [المائدة] فيُقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أدبارهم منذ فارقتهم " (^٢).
وهذا الحديث من أعلام النُّبوَّة لإخبار النَّبيِّ - ﷺ - عن أقوام يرتدّون على أدبارهم بعد موته، وهم الأعراب المنافقون الّذين ارتدّوا في عهد أبي بكر ﵁، ويدلّك على ذلك ما وقع في رواية البخاري " فيُقال إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أدبارهم منذ فارقتهم " ويدلّك قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التّوبة].
وأصحاب النَّبيِّ - ﷺ - غير معنيين بالحديث أو الآية، ولعمري إنّهم خيرٌ من مِلْءِ الأرض من هؤلاء الّذين يذكرونهم بسوء، فيغدون في سخط الله ويروحون في نقمته!
والصّحابة ﵃ أَحبُّ إلى كلّ مؤمن من نفسه وآله وماله! ولا أدري
_________________
(١) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٨/ج ١٥/ص ٦٤) كتاب الفضائل.
(٢) البخاري " صحيح البخاري " (م ٣/ج ٥/ص ١٩١) كتاب تفسير القرآن.
[ ١٣١ ]
كيف لا نرضاهم لدنيانا، وقد رضيهم الله لدينه؟! هذا هو الحقّ، ومن لم ينفعه الحقّ أضرّه الباطل! أو كما قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس] أي كيف تصرفون عن الحقّ والإيمان مع قيام الحجّة والبرهان!