ومّما كثر اللغط فيه ما جرى بين الصّحابة في الجمل وصفّين (^١)، فما انفكّ أقوام يَثْلِبُونَ الصّحابة الّذين انعقد على عدالتهم الإجماع، ونطقت بذلك الآيات الصِّراح، وشهدت بذلك الأحاديث الصّحاح.
وقد آثرت أن أبيّن حقيقة ما جرى بينهم لِعزَّته، وقلّة من أحاط بعلمه، ولأنّ هناك مسائل أعيا كثيرًا من النّاس جوابها؛ فالقارئ في كثير من الكتب يقف فاغرًا فاهًا أمام ما يجدُه في صفحاتها من هول ما يقرأ!
فبعد أن قُتل الخليفةُ عثمانُ ﵁ في داره وهو يقرأ كلام الله في المُصْحَفِ الذي جَمَعَ النَّاس عليه، وفاض دمه على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ
_________________
(١) صفّين: مدينة قديمة على شاطئ الفرات بين الرّقّة ومنبج.
[ ١٤٥ ]
الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة] تباينت مواقف أهل الأمصار من استشهاده:
فمنهم من كان يرى وجوب التّعجيل في محاسبة قتلة عثمان ﵁، وهم أهل الشّام وعلى رأسهم معاوية ﵁، وشطر من أهل البصرة، ومثلهم من أهل مصر.
ومنهم من كان يرى ضرورة تأجيل إقامة الحدود على قتلة عثمان حتّى يتوطَّدَ الحكمُ للخليفة عليّ ﵁ وتقوى شوكته، وتستتبَّ الأمورُ بعد انتقاض البلاد، واضطراب العباد؛ بسبب استشهاد عثمان ﵁ وهم كثير من أهل الأمصار لا سيّما أهل الكوفة فقد كانوا مع عليّ في ذلك.
ومنهم من اعتزل الفتنة، مثل: سعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر، ومحمّد بن أبي مسلمة وغيرهم كثير ﵃ جميعًا ـ.
وهناك من سعى للإصلاح وجمع الكلمة بين من يريد التّعجيل، ومن يريد التّأخير، ويمثّل هؤلاء أمّ المؤمنين عائشة وطلحة والزّبير ﵃، فخرجوا من مكّة إلى البصرة وكان مرادهم الإصلاح وجمع الكلمة، وليس المطالبة بدم عثمان ﵁ كما ذهب إلى ذلك غير كاتب، فلو كان ذلك صحيحًا لذهبوا إلى الشّام وكانوا مع معاوية ﵁ من أوّل الأمر، ولكن هذا لم يكن.
وهناك كثير من الرّوايات تصوّر عائشة ومن معها أنّهم نقموا على عليّ لتأخيره محاسبة قتلة عثمان، وأنّهم خرجوا إلى البصرة لتحريض النّاس على المطالبة بدم عثمان، وأنّهم خرجوا على عليّ وأبطلوا خلافته وطعنوا فيها، بدليل أنّهم خرجوا للقتال ولهم خليفة لا يرجعون إليه!
وهذه الأخبار لا تَصِحُّ؛ فلو أرادوا مَنْ ينصرهم للنيل من قتلة عثمان لخرجوا إلى الشّام - كما تقدّم - حيث معاوية أعزّ ناصرًا وأكثر عددًا، أمّا أنّهم شقّوا عصا الطّاعة وخرجوا عن الجماعة فظاهر البطلان؛ فما ظهر عندهم ولا عند غيرهم ما يوجب نقض بيعة عليّ، ولو
[ ١٤٦ ]
أرادوا ذلك لسعوا إلى بيعة غيره من أوّل الأمر، لكن ذلك لم يحدث، فهم يرون له من الحقِّ ما لا يرونه لغيره، فهو أفضل من بقي من أهل الشّورى الّذين نصّ عليهم عمر ﵁ ولم يكن يومها على أديم الأرض مَنْ هو أفضل منه، فهذه الأخبار مفضوح كَذِبُها، ولذلك قال الحاكم:
" فأمّا قول من زعم أنّ عبد الله بن عمر، وأبا مسعود الأنصاري، وسعد بن أبي وقّاص، وأبا موسى الأشعري، ومحمّد بن مسلمة الأنصاري، وأسامة بن زيد، قعدوا عن بيعته، فإنّ هذا قول من يجحد حقيقة تلك الأحوال " (^١) والحاصل خلافته ﵁ صحيحة بالإجماع، وكان هو الخليفة في عصره لم ينازعه على الخلافة أحد.
فخروجهم إلى البصرة لم يكن خروجًا للقتال أو خروجًا على الإمام، وإنّما خرجوا للإصلاح، وإعزاز الإسلام بسَدِّ باب الفتنة الذي فُتِح بعد مقتل الخليفة عثمان ﵁ ظلمًا وعدوانًا كما أجاب غير عالم.
فهم يريدون جمع كلمة الأمّة، وتحذير المسلمين من التّقصير في معاونة علي ﵁ والتّعجيل في محاسبة المحلّين لدم عثمان ﵁ قبل أن تربو مفسدة هؤلاء المنافقين ويستطير شَرُّهم وتزداد شوكتهم ويكثر جمعهم، خصوصًا وأنّ الفتنة يسارع إليها أهل الفساد، وهم الأكثرون.
وقد أخرج الحاكم ما يشير إلى سبب خروج عائشة ﵂، وهو الصّلح، والدّعوة إلى مساندة الفئة التي بُغِي عليها، فقد أخرج بسنده إلى عائشة، قالت: " ما رأيت مثل ما رَغِبَتْ عنه هذه الأمّة من هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ (٩)﴾ [الحجرات] " (^٢).
_________________
(١) الحاكم " المستدرك " (ج ٣/ص ١١٥) كتاب معرفة الصّحابة.
(٢) الحاكم " المستدرك " (ج ٢/ ص ١٥٦) كتاب قتال أهل البغي. وقال: هذا حديث صحيح على شرط = = مسلم ولم يخرّجاه.
[ ١٤٧ ]
فهي تريد الإصلاح والدّعوة إلى الوقوف مع عليّ في وجه الفئة الباغية على عثمان ﵁.
وفي " كتاب الثّقات " ما يشير إلى نيّتها ﵂ فقد ذكر أنّ زيد بن صوحان قدم من عند عائشة معه كتابان من عائشة إلى أبي موسى والي الكوفة، وإذا في كلّ كتاب: "بسم الله الرّحمن الرّحيم - من عائشة أمّ المؤمنين إلى عبد الله بن قيس الأشعري - سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الّذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد: فإنّه قد كان من قتل عثمان ما قد علمتَ، وقد خرجتُ مصلحةً بين النّاس، فمُر مَنْ قبلك بالقرار في منازلهم والرّضا بالعافية حتّى يأتيهم ما يحبّون من صلاح أمر المسلمين، فإنّ قتلة عثمان فارقوا الجماعة وأحلّوا بأنفسهم دار البوار " (^١).
فلم يكن بنيّة عائشة ﵂ ومن معها ملاحقة قتلة عثمان ومحاسبتهم؛ فليس من المعقول أن يغيب عن أذهان هؤلاء الصّحابة الأجلاّء مع سابقتهم وفضلهم أن يقاتلوا قتلة عثمان ﵁ ولهم خليفة ولا يرجعون إليه! فغاية قصدها ﵂ ومن معها الإصلاح بين النّاس، وسيأتي قريبًا في حديث الحوأب الصّحيح ما يقطع بذلك.
فليتّق الله أقوام يُصَوِّرون عائشة ﵂ تقود جيشًا فيه كبار الصّحابة لمقاتلة عليّ والتّحريض عليه؛ فالنَّبيُّ - ﷺ - لم يأذن للنّساء بقيادة الجيوش! وهذا الكلام يسوقونه لتخطئة عائشة ومن كان معها من الصّحابة، والجرح بمن يصوّر ذلك أولى.
وليتّق الله أقوام يتّهمون عائشة ﵂ أنّه كان في نفسها شيء على عليّ ﵁ لموقفه من حادثة الإفك، ذلك أن عليّا ﵁ لمَّا استشاره النَّبيُّ - ﷺ - في فراق أهله قال ﵁: " يا رسول الله، لمْ يضيّق اللهُ عليك والنّساء سواها كثير،
_________________
(١) أبو حاتم " كتاب الثّقات " (ج ٢/ص ٢٨٢).
[ ١٤٨ ]
وسل الجارية تصدقك " (^١).
وهذا الخبر رواه الشّيخان عن عائشة ﵂ وليس فيه ما يشير من قريب أو بعيد إلى أنّها كرهت ذلك من عليّ ﵁! وإذا كان هذا ما أخرجها إلى البصرة، فما الّذي أخرج من كان معها؟! فهذا كلام يُرَادُ به النَّيل من الصّحابة أنّهم يوافقونها على الخطأ، ويطعن في سلامة قلوبهم ونقاء سريرتهم، ونحن نعلم أنّ طهارة قلوب الصّحابة نَصَّ عليها القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ (١٨)﴾ [الفتح]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ [الحجرات] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ (٢٢)﴾ [المجادلة].