" تاريخ الأمم والملوك " للطبري أقدم مصدر من مصادر التّاريخ أَخرَج الرِّوايات مُعَنْعَنة، وكلّ من جاء بعده نقل عنه، أو اعتمد عليه. وقد أسند الطّبري الرِّوايات، ومن أورد السّند فقد أحالك وحمّلك مسؤولية التّثبّت من تلك الرّوايات، فبرئت ذِمَّتُه، وألقى بالعهدة على الرُّواةِ والقُرَّاء.
فقد أشار ﵀ في مقدّمة كتابه أنّه لم يلتزم بإيراد الصَّحيح لعلل دعت إلى ذلك، فهو لم يلتزم النقل عمّن آمن واهتدى وصدّق بالحسنى فحسب، وإنّما نقل عن هؤلاء، وعن كلِّ مَنْ هَبَّ ودَبَّ وعوى وغوى، وحمَّل رواته التَّبعة، وحمّل بذلك الدّارسين لكتابه البحث عن حال هؤلاء الرِّجال في كتب الرِّجال والجرح والتّعديل.
وللأسف، فقد وقع على هذه الرِّوايات كثير من الكتاب والقرّاء عبر العصور، دون نقدها، فلم يتثبّتوا من حال أسماء رواة هذه الأخبار، ولا من صحّة متونها، وسوّدوا هذه الأخبار والقصص والحكايات في كتبهم على ظاهرها؛ فقد حسبوا المتورِّمَ سمينًا، واستعظموا ما ليس عظيمًا، واغتروا بظاهر يخالف حقيقة الواقع، فكانوا كمن استسمن ذا وَرَمٍ.
فعمل هؤلاء الكتّاب على تكريس هذه الأخبار الباطلة في أذهان العامّة وبعض الخاصّة، فَضَلّوا وأضلّوا، وساهموا من حيث يعلمون أو لا يعلمون بإغراء العامّة ومن في
[ ١٤٣ ]
حكمهم على تنقيص الصّحابة ﵃!
وليس يغني عن كاتب أو جاهل قول راوٍ عن فلان، وقوله عن فلان، إذا لم يتثبّت من حال فلان وفلان؛ فالرّوايات التّاريخيّة قوامها علم الجرح والتّعديل. ولأنّ السّند هو الأصل، والمتن هو الفرع، فإنّه يشترط لصحَّة الفرع سلامة الأصل، ولذلك يجب النّظر فيمن تُقْبَلُ روايته أو تُرَدُّ، وذلك يتأتّى ممّن رأيه يُعْتَمد وممّن قوله يُعْتدّ به.
ولا أدري كيف يجهل النّاس أنّ كثيرًا من الرِّوايات التّاريخيّة موضوعة؛ فلم تسلم الرّواية عن رسول الله - ﷺ - من الوضع، فهناك آلاف الأحاديث الموضوعة والمنكرة والشّاذة والمكذوبة على رسول الله - ﷺ -، فإذا كان الأمر كذلك في الحديث الشّريف، فهل يسلم الحديث عن الصّحابة ﵃ من الدَّسِّ وإخفاء المكر؟!
وأنا على يقين أنّ غيرَ كتاب من كتُب التّراث تعرّضت أصوله للتّحريف والتّصحيف من النّاشرين وغيرهم قبل أن تصل إلينا هذه الكتب؛ فقد وقعت هذه المخطوطات في أيد غير أمينة زمنًا طويلًا.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك كُتُبا محقّقة لا تساوي ثمن الحبر الّذي كُتِبَتْ به؛ فالمحقّقون على مشارب: فمنهم المتشدّد في الحقّ وهذا يؤخذ عنه ولا مانع من تعقّبه، ومنهم المتساهل وهذا لا يؤخذ منه، ومنهم القوام بين ذلك وهذا يؤخذ منه ويُردّ عليه، ومنهم من نَزَعَهُ عِرْقٌ وغلبه هوى فهو يرمي إلى تأييد مذهب أو إثبات معتقد وهذا يُحْذر منه، ومنهم من زاد في تحقيقه الطّين بِلَّة عامدًا متعمِّدًا فكان كمن ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)﴾ [المدّثّر] وهذا أمره إلى الله، ومنهم الجاهل الّذي يسعى إلى شهرة بائسة فوضع اسمه على هذه الكتب بدعوى تحقيقها، وهذا لم يأتنا بِهَلَّة ولا بَلَّة، وإنّما جاءنا ببَقبَقة في زَقزَقة يفتخر بما ليس عنْده، ومثله كمثل الحَادِي وليس له بعير ينتفخ بما لا يملك، وما أكثر هؤلاء! والله نسأل أن يجنِّبنا حبّ الظهور الّذي يكسر الظّهور ويذهب بالأجور، وهذا يصدق فيه قول الشّاعر:
ألقابُ مملكة في غير موضعها كالهرّ يَحْكي انتفاخًا صَوْلة الأسد
[ ١٤٤ ]
وقد وقع المستشرقون عبر العصور بالخطأ عينه، فنقلوا من كتب التّراث، واعتمدوا على كُتَّاب السّيرة الأوائل من المسلمين، وكتبهم غير محقّقة ولم تسلم من التّصحيف والتّحريف، فلم يتبيّن لهؤلاء المستشرقين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وظنّوا أنّ تاريخ المسلمين ما وجدوه مسطورًا في هذه التّركة من الكتب الّتي جاءت بعد الأمويين من أصحاب الأهواء والبدع، فأخذوا هذه الرّوايات، وجعلوا ما يوافق أهواءهم عُمْدَة، وما يخالفها ردّوه ما استطاعوا إليه سبيلًا، أو لوّوا به ألسنتهم إن لم يسعهم إنكاره!
وهم لا يملكون القدرة على محاكمة هذه الرّوايات التّاريخيّة؛ لجهلهم بعلم الجرح والتّعديل، فضلًا عن أنّ هذا العلم لا يخدمُ أهدافَهم، زد على ذلك جهلهم باللغة العربيّة وعلومها وأسرارها، وكلّ هذا يؤكّد الحاجة إلى تحقيق كتب التّراث لتغيير فهم المسلمين خاصّة والنّاس عامّة لتاريخ المسلمين الأوائل، الّذي لا نخشى الحديث عنه؛ إذ لو كان ذلك صحيحًا لاقتضى أنّ لهم فيه أعمالًا تَحُطُّ من شأنهم، وهذا ما لا يقوله مسلم، ولا يتصَوَّرُهُ عاقل.