الرّواية عند الطّبري عن عدد قتلى الجمل أنّهم عشرة آلاف، وأنّه قُتل من بني عديّ يومئذ سبعون شيخًا كُلّهم قد قرأ القرآن، وأنّ عائشة ﵂ ما زالت ترجو النّصر حتّى خفيت أصوات بني عديّ. وكلّ هذا لا يصحّ، فقد أخرجه الطّبري من طريق سيف، وهو ضعيف، فضلًا عن أنّ المتن فيه اضطراب.
فقد أخرج الطّبري عن شعيب، عن سيف، عن محمّد وطلحة، قالا: " كان قتلى الجمل حول الجمل عشرة آلاف نصفهم من أصحاب عليّ ونصفهم من أصحاب عائشة: من الأزد ألفان، ومن سائر اليمن خمسمائة، ومن مضر ألفان، وخمسمائة من قيس، وخمسمائة من تميم، وألف من بني ضبّة، وخمسمائة من بكر بن وائل " (^١) قلت: وانظر إلى المجموع، فإنّه لا يساوي عشرة آلاف، وهذا يدلّك على تهلهل المتن واضطرابه. أيضًا الرِّواية عند الطَّبري في تَعيين عدد من خَرَجَ مع عائشة تتحدَّث - كما تقدَّم - أنه خرج معها ألف أو ثلاثةُ آلاف، فكيف يُقْتَلُ من أصحاب عائشة ﵂ خمسة آلاف؟!
ثمّ ذكر الطّبري بعد ذلك - دون سند - أنّه قيل: " قُتِل من أهل البصرة في المعركة الأولى خمسة آلاف، وقُتِل من أهل البصرة في المعركة الثّانية خمسة آلاف، فذلك عشرة آلاف قتيل من أهل البصرة، ومن أهل الكوفة خمسة آلاف " (^٢) ورواية المجاهيل لا تصحّ قولًا واحدًا؛ فلا ينظر إلى أيّ متن إذا لم يصحّ إسناده بدليل.
ثمّ رجع الطّبري إلى سنده الأوّل عن سيف، ومحمّد وطلحة قالا: " وقُتل من بني عدي يومئذ سبعون شيخًا كلّهم قد قرأ القرآن، سوى الشّباب ومن لم يقرأ القرآن، وقالت عائشة ﵂ ما زلت أرجو النّصر حتّى خفيت أصوات بني عدي " (^٣).
_________________
(١) الطّبري: " تاريخ الأمم والملوك " (ج ٣/ص ٥٤٣).
(٢) المرجع السَّابق.
(٣) المرجع السَّابق.
[ ١٧٠ ]
قلت: وهذه الرّواية باطلة سندًا، ومدار بطلان سندها على سيف، أمّا بطلان متنها فَمَرَدُّهُ إلى اتّهام أمّ المؤمنين عائشة ﵂ أنّها كانت تنطوي على غِلّ للمسلمين، وتشتهي النّصر ولو كان ثمنه قتل القرّاء، وحفظة القرآن، وهذا باطل بداهة! وهذا كلام مَنْ قَصُر نظرُه عن معرفة عدالة الصّحابة؛ فالصّحابة ﵃ أبرُّ النّاس قلوبًا، وأصلحهم أنفسًا، وأعمقهم إيمانًا، وأرسخهم علمًا، وأصدقهم خوفًا من الله تعالى؛ ولذلك اختارهم الله تعالى لصحبة نبيّه - ﷺ -، ونقل دينه، فكانوا وربّ النّاس مثلًا للنّاس، لكن من تأخّر منهم ابتلي بِحُثَالةٍ من النَّاس!
والصّحابة ﵃ قطع الله عنهم العمل ولم يقطع عنهم الأجر، فذهبوا بالأجور، وما انقطعت أجورهم؛ فهذه السّنن التي بين أيدينا، لهم أجرها، وأجر من عمل بها حتّى تقوم السّاعة! ومن ذكرهم بسوء ولو بِشَطْرِ كلمة فإنّما يهديهم حسناته، إن كانت له حسنات!
وأخرج الطّبري عن محمّد بن الفضل، عن سعيد القطعي، قال: " كنّا نتحدّث أنّ قتلى الجمل يزيدون على ستة آلاف " (^١) وإسناده ضعيف لكذب محمّد بن الفضل، قال ابن حجر: " محمّد بن الفضل بن عطيّة الخرساني، كذّبوه " (^٢).
وأخرج خليفة عن كهْمَس، عن سعيد، عن قتادة، قال: " قُتِل يوم الجمل عشرون ألفًا" (^٣) وإسناده ضعيف: كهمس بن المِنْهَال السّدوسي، قال عنه ابن حجر: " صدوق رمي بالقدر " (^٤) وقال عنه الذّهبي: " اتّهم بالقدر، وله حديث منكر أدخله البخاري من أجله في كتاب الضّعفاء وقال أبو حاتم: محلّه الصّدق " (^٥) وسعيد هو ابن أبي عروبة: مِهران اليشكري
_________________
(١) الطّبري: " تاريخ الأمم والملوك " (ج ٣/ص ٥٤٧).
(٢) ابن حجر " تقريب التّهذيب " (ص ٥٠٢/ رقم ٦٢٢٥).
(٣) خليفة " تاريخ خليفة بن خيّاط " (ص ١٨٦).
(٤) ابن حجر " تقريب التّهذيب " (ص ٤٦٢/رقم ٥٦٧١).
(٥) الذّهبي " المغني في الضّعفاء " (م ٢/ص ٢٣٢/ رقم ٥١١٣) وانظر ترجمته في " كتاب الضّعفاء = = الصّغير " للبخاري (ص ١٠١).
[ ١٧١ ]
قال عنه الحافظ: " كثير التّدليس واختلط وكان من أثبت النّاس في قتادة " (^١) وقتادة لم يدرك الحادثة.
وقد أورد خليفة بيانًا بأسماء من حُفِظ من قتلى الجمل فكانوا قرابة المائة (^٢). وهذا يؤكّد قِلَّةَ عدد القتلى، وهذا ليس غريبًا فلم يكن أحد من الفريقين يهاجم الآخر، وإنّما كان يدفع عن نفسه، والمشْهُورُ أنَّ الصَّحابة كانوا يتجنَّبون القتال وينهونَ عنه.
وممّا يدلك على قلّة عدد قتلى الجمل قِصَرُ زمن القتال يومها، فقد نشب القتالُ بعد الظّهر وانتهى مع غروب الشّمس، أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن زيد بن وهب أنّ القتال نشب بعد الظّهر قال: " فكفّ عن طلحة والزّبير وأصحابهما، ودعاهم حتّى بدؤوه فقاتلهم بعد صلاة الظّهر، فما غربت الشّمسُ وحول الجمل عين تطوق ممّن كان يَذُبُّ عنه، فقال عليّ: لا تتمّوا جريحًا، ولا تقتلوا مدبرًا، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن، فلم يكن قتالهم إلاّ تلك العشيّة وحدها " (^٣).