أخرج الطّبريّ روايتين متضاربتين في تعيين عدد من خرج إلى البصرة من طريقين لا تقوم بهما حجّة، الرّواية الأولى من طريق سيف عن أشياخه، وفيها أنَّ عدد من خرج ستمائة، ولَحِقَ بهم من لحق حتّى صاروا ألفًا، وفيها أنّ أمّ الفضل بعثت برسالة مع رجل يُدعى ظفرا تخبر عليّا بخبرهم، فقد أخرج الطّبريّ عن سيف عن محمّد وطلحة، قالا:
" فحملوا ستمائة رجل على ستمائة ناقة سوى من كان له مركب، وكانوا جميعًا ألفًا وبعثت أمّ الفضل بنت الحارث رَجُلًا من جهينة يُدْعى ظفرا فاستأجرته على أن يطوي ويأتي بكتابها فقدم على عليّ بكتاب أمّ الفضل بالخبر " (^٢).
وهذه الرّواية باطلة سندًا ومتنًا، ومدار بطلان سندها على سيف (^٣)، فهو ضعيف وقد
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري " (م ٣/ج ٥/ص ٥٧) كتاب المغازي، ومسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٩/ج ١٧/ص ١٠٨) كتاب التّوبة.
(٢) الطّبري " تاريخ الأمم والملوك " (ج ٣/ص ٤٧٠).
(٣) قال الحافظ: سيف بن عمر التميمي، صاحب كتاب الرّدة، ويقال الضّبي، ضعيف الحديث، عمدة في التّاريخ، أفحش ابن حبّان القول فيه " تقريب التّهذيب " (ص ٢٦٢/رقم ٢٧٢٤).
[ ١٤٩ ]
أفحش ابن حبّان القول فيه، أمّا بطلان متنها فيدلّك عليه أنّ أمّ الفضل وهي لبابة بنت الحارث (^١) الّتي أرسلت إلى عليّ بخبر خروجهم لم تكن يومها على قيد الحياة، فقد ماتت بَعْدَ زوجها العبّاس في خلافة عثمان!
أمّا الرّواية الثّانية فهي من طريق يونس بن يزيد عن الزّهري، وفيها أنّ عددهم سبعمائة ولحق بهم النّاس حتّى كانوا ثلاثة آلاف، فقد أخرج الطّبريّ عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزّهريّ، قال: " فخرجوا في سبعمائة رجل من أهل المدينة ومكّة ولحقهم النّاس حتّى كانوا ثلاثة آلاف رجل فبلغ عليًّا مسيرهم فَأَمَّرعلى المدينة سهل بن حنيف، وخرج فسار حتّى نزل ذا قار (^٢) " (^٣).
قلنا: والزّهري لم يدرك هذه الأحداث حتّى يُحدِّثَ عنها، وهذا التّناقض في تعيين العدد يضعف الرّوايتين معًا.
ثمّ إنّ خروج عليّ إلى ذي قار لا يدلّ على أنّه كان يلحق بهم؛ فهذا يعني أنّه جاء من طريق: النّقرة (^٤)، فيد (^٥)، الثّعلبيّة (^٦). ولو أراد اللحاق بهم لخرج من النّقرة إلى النَّباج (^٧)
_________________
(١) قال الحافظ: لبابة بنت الحارث بن حزم الهلالية أمّ الفضل، زوج العبّاس بن عبد المطّلب، وأخت ميمونة زوج النّبيّ - ﷺ -، قال ابن حبّان: ماتت بعد العبّاس في خلافة عثمان "تقريب التّهذيب " (ص ٧٥٣/ رقم ٨٦٧٦).
(٢) ذو قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة " معجم البلدان" (ج ٤/ص ٢٩٣).
(٣) الطّبري " تاريخ الأمم والملوك " (ج ٣/ص ٤٧١).
(٤) النّقرة: ملتقى الدّروب تقع على طريق الكوفة ولا تزال تحمل اسمها إلى الآن، وتبعد عن المدينة مائتان وستة وثلاثون كيلو مترا، ومنها يتيامن حتّى يصل إلى النّباج من أراد الذّهاب إلى البصرة. انظر " الملامح الجغرافية لدروب الحجيج " لسيّد عبد المجيد (ص ٥٤).
(٥) قال ياقوت: قال السكوني: فيد: نصف طريق الحاج من الكوفة إلى مكّة " معجم البلدان " (ج ٤/ص ٢٨٢).
(٦) قال ياقوت: الثّعلبيّة: من منازل طريق مكّة من الكوفة " معجم البلدان " (ج ٢/ص ٧٨).
(٧) قال ياقوت: النّباج: قرية في بادية البصرة على النّصف من طريق البصرة إلى مكّة " معجم البلدان "= = (ج ٥/ص ٢٥٦).
[ ١٥٠ ]
فالبصرة، وهذا كلّه يضعف متون الرّوايات الّتي تصوّر عائشة ﵂ هاربة وتَتَيامَنُ عن أوطاس (^١) خَشْيةً من عليّ.