ماذا جرى في صفّين؟ وعَلامَ اختلف معاوية وعليّ؟ وهل سبب الاختلاف يجيز الاقتتال؟ وكم دام هذا الاقتتال؟ وكم كان عدد القتلى؟ وما أحقيّة معاوية في الطّلب بدم عثمان؟ وأيّ الفريقين كان معه الحقّ؟
هذه الأسئلة وغيرها عزّت إجاباتها الدّقيقة على كثير من النّاس؛ لندرة وتفرّق أخبارها الصّحيحة في كُتُب التّاريخ والتّراجم والسّير والمتون والتّخريج والعلل والسؤالات والشّروح والفقه والتّراجم والطّبقات والبلدان والأنساب ولا أدّعي أنّني أحطتُ بما لم يُحط به أحد من الباحثين، وإنّما هو ما تيسّر من التّقدير وتقدّر من التّيسير، والفضل كلّه لله تعالى الّذي نسأله أن يهدينا لما اختلف فيه النّاس من الحقّ بإذنه، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾ [النّور].
أمّا ما جرى في صفّين، فقد جرى بين فريقين مُتَأوّلين مجتهدين: فريق معاوية ﵁ صاحب الأجر، وفريق علي ﵁ صاحب الأجرين.
وكان معاوية يطلب بدم ابن عمه عثمان ﵁، وينكر على عليّ - منعه من اقتضاء حقّه من قتلة عثمان، والتّعجيل في تعقّبهم والاقتصاص منهم؛ إقامة لحدود الله لا سيّما أنّ له شوكة عليهم.
وكان عليّ يرى أنّ إقامة القصاص على قتلة عثمان ﵁ وعلى مَنْ مَالأَ على دمه حقّ واجب، لكنّ أخذ البيعة من معاوية مُقَدَّمٌ عليه لا سيّما وأنّه عامل على بلاد الشّام
[ ١٧٥ ]
من عهد أبي بكر وعثمان، أفلا يكون له من الطّاعة ما كان للخلفاء من قبله!
ولذلك كان عليّ يرى أنّ على معاوية وأولياء دم عثمان ﵁ أن يتحاكموا إليه بعد أن يتوطّد الأمر له، فإذا ثبت على أحد بعينه أنّه ممّن قتل الخليفة عثمان ﵁ أو مَالأَ على دمه، أو أعان عليه اقتصَّ منه.
وعُذْرُ عليّ ﵁ في تأخيره لإقامة الحدود على هؤلاء البغاة مَردُّه إلى أمرين:
الأوّل: أنّه لم يكن يومها من السّهل عليه أن يتبيّن هؤلاء البُغَاة، بعد أن تفرّقوا في الأمْصَار. فالّذين شغبوا على عثمان ﵁ من المنافقين والغوغَاء والعامّة والموتورين وأتباع ابن سبأ، جاؤوا من أمصار مختلفة، وكانوا كثرة كاثرة، ولهم قبائل وطوائف تتعصّب لهم وتنتصر لهم، وإقامة الحدود عليهم لا تكون خَبْط عَشْواء، فهناك من يُتّهم بقتل الخليفة، وهناك من أعان على دمه، وهناك من ضَلّ وغوى، وهناك جاهل مغرّر به لا هو في العير ولا في النّفير، وهذا يحتاج إلى تحقيق وتدقيق وتروٍّ.
الثّاني: أنّ البلاد انتقضت وانتفضت بعد مقتل عثمان ﵁ فالأمر لم يكن قد توطّد له بعد، فهو يحتاج إلى قُوَّة تعينه على أمره، ولو كان له قوّة ما تأخّر في إخضاع البلاد ومحاسبة البغاة على عثمان ﵁. ولا يخفى أنّ للخليفة أن يُؤَخِّر الأحكام إذا كانت المصلحة في ذلك، هذا عذره ﵁.
ولربّ قائل يقول: ألم يكن لعثمان من هو أولى بالطّلب بدمه من معاوية؟!
والجواب: بلى، كان هناك ولده أبان بن عثمان، ولكن لم تكن له شُوكَةٌ كما كانت لمعاوية ﵁ ولذلك أقام معاوية نفسه مقام وليّ الدّم، وهو ابن عمّه، وقُتل ظلمًا وعدوانًا، وعثمان يومها مقدّم في الفضل على سائر الصّحابة، فكيف يقعد معاوية عن نصرته وله قوَّةٌ على ذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا (٣٣)﴾ [الإسراء] هذا عذره ﵁.
[ ١٧٦ ]