أعطى الله تعالى لنبيّه محمّد - ﷺ - أمَانًا فعاش - ﷺ - آمنًا مطْمَئنّ النّفس، قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ [الشّرح] وهذه الآية الكريمة الّتي تبيّن مقام النَّبيِّ - ﷺ - المحمود عند الله تعالى، أشكل فهمها على البعض وظنّ أنّ للنَّبيِّ - ﷺ - أوزارًا وذنوبًا حطّها الله عنه.
ومن الآيات التي يوهم ظاهرها أنّ للرسول ذنوبًا وأشكل فهمها عليهم واحتجّوا بها، قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ (٢)﴾ [الفتح].
وقد رأيت من يخوض في هذه الآية الكريمة ونظائرها بغير سلطان، فتذكرت قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (٦٨)﴾ [الأنعام] وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ [الأنعام] وخلاصة احتجاجهم قولهم: إذا لم يكن للنَّبيِّ - ﷺ - ذنب، فماذا غفر الله تعالى له؟ وبأيّ شيء امتنّ عليه في ذلك؟
والجواب، أنّ قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ (٢)﴾ [الفتح] يُسْتَدَلُّ به على عصمة النَّبيِّ - ﷺ - عن المعاصي، أمّا من أشكل عليه فهم الآية، وتوهّم أن الغفران يستوجب وقوع الذّنب منه - ﷺ -، فالجواب أنّ غفران ما تقدّم هو العفْوُ
_________________
(١) الحاكم " المستدرك " (ج ٤/ص ٢٤٥) كتاب التّوبة والإنابة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وذكر نحوه النّووي في " تهذيب الأسماء واللغات " (ص ٨٥) فصل في رضاعه ومرضعاته.
[ ٨٤ ]
عنه لما كان قبل النُّبوَّة، وغفران ما تأخّر عصمته وحمايته من الوقوع بالذّنب بعد النُّبوَّة. والآية فيها تنزيه للرسول - ﷺ - من الذّنوب، وَوَعْدٌ له من الله أنّه مغفور له غير مؤاخذ بذنب لو كان، ولا يلزم من ذلك وقوع الرسول - ﷺ - في ذَنْب.
وهذه الآية نزلت على النَّبيِّ - ﷺ - مرجعه من الحديبية، وكانت أحَبَّ إلى قلبه من الدّنيا وما فيها، أخرج أحمد بسند صحيح عن أنس، قال:
" نزلت على النَّبيِّ - ﷺ -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ (٢)﴾ [الفتح] مَرْجِعهُ من الحديبية، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة، فقال: نزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها جميعًا، قال: فلمّا تلاها نبيّ الله - ﷺ -، قال رجل من القوم: هنيئًا مريئًا قد بيّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله ﷿ الآية الّتي بعدها ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ [الفتح] " (^١).
وللآية الكريمة نظائر في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ (٥٥)﴾ [غافر].
قلت: وليحذر من يجادل في آيات الله بلا برهان أتاه؛ فالله تعالى قال في الآية بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر] وقال بعد الآية الثالثة من السُّورة نفسها بصيغة الحصر: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ [غافر].
_________________
(١) أحمد " المسند " (ج ١١/ص ٢٣٥/رقم ١٣٥٧٣)، والحاكم في " المستدرك " (ج ٢/ص ٤٥٩) كتاب التّفسير، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين
[ ٨٥ ]
والآية ونظائرها، مثل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ (١٩)﴾ [محمّد]، لها تأويل يعرفه الرّاسخون في العلم، فأَمْرُ الله لنبيّه بطلب المغفرة المراد منه تعليم الأمة ذلك؛ لحضّها على التّوبة، وطلب الاستغفار، والاستكثار منه. ولذلك قال النَّبيُّ - ﷺ -: " يا أيّها النّاس، توبوا إلى الله فإنّي أتوب في اليوم مائة مرّة " (^١).
كما أنّ أَمرَ النَّبيِّ - ﷺ - الناس بالتَّوبة، موافق لقوله تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ (٣١)﴾ [النّور] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا (٨)﴾ [التّحريم].
وفي صحيح الإمام مسلم حديث فيه إشارة لسبب استغفار النَّبيّ - ﷺ - فقد روى عن الأغرّ المُزنيّ - وكان له صحبة - أنّ رسول الله - ﷺ - قال: " إنّه ليُغَانُ على قلبي، وإنّي لأستغفر الله في اليوم مائة مرّة " (^٢).
وقد بيّن العلماء سبب استغفاره - - ﷺ -، وخلاصة أقوالهم: أنّه كان يُغَان على قلبه - ﷺ - بمعنى يغطّى عليه، والمراد ما كان يتغشّى قلبه - ﷺ - من غفلات الذّكر من غير عمد، وهَمٌّ يعتريه رحمةً بأمّته لما أُطلع عليه من أحوالها بعده، فيستغفر الله افتقارًا إليه، وإعظامًا له، وإظهارًا لشكره.
واستغفاره - ﷺ - موافق لقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النّصر] وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ [النساء] فالنَّبيُّ - ﷺ - مأمور بالتَّوبة، والاستغفار، والتَّسبيح، والدّعاء ؛ لنقتديَ به، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
_________________
(١) مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٩/ج ٧/ ص ٢٤) كتاب الذكر والدعاء.
(٢) المرجع السَّابق.
[ ٨٦ ]
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب].
كذلك النَّبيُّ - ﷺ - يعلّمنا الاعتراف بالتّقصير، ولو كانت صالحُ أعمالنا كالجبال، فهذا أبو بكر الصّدّيق ﵁ يأتي ذات يوم النَّبيَّ - ﷺ - ويطلب منه أن يعلّمه دعاء يدعو به في صلاته، فيعلّمه النَّبيُّ - ﷺ - دعاء يظهر فيه الافتقار إلى الله!
أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو أنّ أبا بكر الصّديق ﵁ قال للنَّبيِّ - ﷺ -: " يا رسول الله علّمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللّهمّ إنّي ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذّنوب إلاّ أنت، فاغفر لي من عندك مغفرة إنّك أنت الغفور الرّحيم " (^١) والمسألة فيها أقوال أُخَر يضيق المقام عن ذكرها، وحسبنا ما اقتصرنا عليه منها.
ومنهم من يتعلّق بدعاء النَّبيِّ - ﷺ - الّذي رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري: " اللّهمّ اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منّي، اللّهمّ اغفر لي جِدّي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكلّ ذلك عندي. اللّهمّ اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسْرَرْتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منّي، أنت المقدّمُ، وأنت المؤخّر، وأنت على كلّ شيء قدير " (^٢).
ويظنّ هذا المتعلّق أنّ هذا الحديث قاصمة الظّهر؛ فالحديث صحيح، والنّص صريح، فالنَّبيُّ - ﷺ - يقول: " وكلّ ذلك عندي "؟! أي أنّه متَّصِفٌ بهذه الأشياء، ويطلب غفرانها.
ولا يخفى أنّ النَّبيَّ - ﷺ - قال هذا الدُّعاء وغيره تواضعًا واستجابة لأمر الله وتعليمًا لأمّته؛ لأنّ الله تعالى أمِر بالدّعاء، وعدَّ الأخذَ به عبادة، وتركَهُ استكبارًا، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري " (م ٤/ج ٨/ ص ١٦٨) كتاب التّوحيد، وأخرجه أيضًا في كتاب الدّعوات، وكتاب الأذان. ورواه مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٩/ ج ١٧/ ص ٢٧) وانظر " النّكت على العمدة في الأحكام " للزركشي (ص ١٢٠) باب التّشهّد.
(٢) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٩/ج ١٧/ص ٤٠) كتاب التّوبة.
[ ٨٧ ]
(٦٠)﴾ [غافر] وكلّ من له عِلْمٌ بفضل التّهليل والتّسبيح والدّعاء يقول مثل هذا الدّعاء وأكثر منه.
وكان النَّبيُّ - ﷺ - يعدّ فوات الكمال في الأعمال ذنبًا، وهذا أيضًا دأب الصّالحين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون] أي يخافون ألاّ يتقبّل الله منهم؛ يشعرون أنّهم لم يؤدُّوا العبادة على الوجه الّذي ينبغي، وأنّهم مقصّرون في حقّ الله، وهذا الشّعور يحملهم على الزّيادة في الطّاعات، والإنابة إلى الله والتّضرع إليه، وإظهار شكره، فالمؤمن يدين نفسه ويتّهمها، ولا يغترّ بعبادته.
وهذه عائشة ﵂ تذكر: " أنّ نبيّ الله - ﷺ - كان يقوم من اللّيل حتّى تتفطّر قدماه، فقالت عائشة: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا " (^١) فدلّ ذلك على أنّ غفران ما تقدّم وما تأخّر نعمة من الله، وأن شكر الله على نعمه يكون بالعمل كفعل النَّبيِّ - ﷺ -، وقد دلّ القرآن على ما دلّت عليه السّنّة، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا (١٣)﴾ [سبأ] وقال بعد ذلك: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ].