كان عمّه أبو طالب عضدًا له وناصرًا، فقد كَفِله من يوم مات فيه جدُّه عبد المطَّلب، واستمر على نصرته بعد أن بُعث إلى أن أدركه الموت. ولم تنل قريش من رسول الله - - ﷺ - - من الأذى في حياة أبي طالب ما كانت تطمع به! فقد كان يردُّ عنه الأذى، ويمنعهم من الوصول إليه، وهو مقيم على دين قومه!
روى الحاكم بإسناد جيّد عن عائشة ﵂ عن النَّبيِّ - - ﷺ - - قال: " ما زالت
_________________
(١) الشّعار هو الثّوب الّذي يلي الجلد، والدّثار ما يجعل فوق الشّعار، وأراد النّبيّ - - ﷺ - - أنّهم بطانته وخاصّته وأنّهم الأقرب إلى نفسه.
(٢) البخاري " صحيح البخاري " (م ٣/ج ٥/ص ١٠٤) كتاب المغازي، ومسلم " صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٤/ج ٧/ص ١٥١) كتاب الزّكاة.
(٣) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٨/ج ١٥/ص ٦٦) كتاب الفضائل.
[ ٣٢ ]
قريش كاعّة (^١) حتّى توفّي أبو طالب " (^٢).
وسيرته في حياطته النَّبيِّ - - ﷺ - - والدِّفاع عنه ذائعة، ومن مشهور شعره في ذلك، قوله:
والله لنْ يَصِلوا إليك بجمعهم حتّى أوسَّد في التُّراب دفينا
فلقد علمت بأنّ دينَ محمَّدٍ مِنْ خير أديان البرية دينا
وكان أبو طالب يعرف أنَّه رسول الله، لكنه لم يقرّ له بذلك، ولذلك تجده يقول:
وَدَعوْتني وعلمتُ أنّك صادقٌ ولقد صدقت وكنت قَبْل أمينا
وظل أبو طالبٍ مُقيمًا على نصرة الرَّسول حياته كلّها، ويأمر بنصرته، ولمّا حضرت أبا طالب الوفاةُ، أراد النَّبيُّ - - ﷺ - - سيِّد الأوفياء أنّ يردَّ الجميلَ والمعروفَ لعمّه، فدخل عليه قبل أن يدخل في الغرغرة، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أميّة، فقال:
" أي عمّ قل لا إله إلا الله، كلمة أُحاجّ لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة: يا أبا طالب، ترغب عن ملّة عبد المطّلب؟ فلم يزالا يكلّمانه حتى قال آخرَ شيءٍ كلّمهم به: على ملّة عبد المطّلب، فقال النَّبيُّ - - ﷺ - ـ: لأستغفرنّ لك ما لم أُنْهَ عنه، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة]، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ (٥٦)﴾ [القصص] " (^٣).
أمّا من قال: لم يُغْنِ النّبيُّ - - ﷺ - - عن عمّه شيئًا، مع أنّه كان ينصره! فقد أجاب عن هذه المسألة النَّبيُّ - - ﷺ - - نفسه، فقد أخرج البخاري في صحيحه أنّ العبّاس بن عبد المطّلب
_________________
(١) أي جبانة.
(٢) الحاكم " المستدرك " (ج ٢/ص ٦٢٢) كتاب تواريخ المتقدّمين، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه، وقال الألباني: فيه عقبة المُجَدّر، ولم يخرِّج له الشّيخان، وهو صدوق، فالإسناد جيّد " صحيح السّيرة النّبويّة " (ص ٣١).
(٣) البخاري " صحيح البخاري " (م ٢/ج ٤ / ص ٢٤٧) كتاب بدء الخلق.
[ ٣٣ ]
قال للنَّبيِّ - - ﷺ - ـ: " ما أغنيت عن عمّك، فوالله كان يحوطك ويغضب لك؟! قال: هو في ضحضاح من النّار، ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النّار " (^١).
ونزل في حرص النَّبيِّ - - ﷺ - - على إيمان عمّه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايته ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص].
والهداية المنفيّة في الآية الكريمة هي هداية التّوفيق، فلا أحد يملكها إلاّ الله؛ وإلاّ لهدى نوح ﵇ ابنه، وهدى إبراهيم ﵇ أباه ولا تعارض بين الآية وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى]، إذ أنّ الهداية المثبتة هداية التّفسير والدّلالة والبيان
وتعجب حينَ تقِفُ على حقيقة أنَّ عمَّه الذي كانَ يَذُبُّ عنه وينصره كان مقيمًا على دين قومه، ومع هذا ظلّ فوق أربعين عامًا يدافع عنه، ويعزّ جانبه، ويغضب له، ويردّ عنه القول والفعل!
أليس من باب أولى أن نَنْصُرَه ونعزِّرَه نحن أتباعه الذين آمنَّا بالله ورسوله - - ﷺ - - ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف].
وما نصر أحد النَّبيَّ - - ﷺ - - على أعدائه بكبيرة أو صغيرة إلاّ كُتِبَ له ثَوابُ ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ [التوبة].