وإن من أبرز ما استدل به أصحاب الرأي الأول ما يلي:
أ- الإجماع الذي حكاه القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) - ﵀- في "الشفا" حيث يقول:
وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول "الحمد لله رب العالمين" إلى آخر " قل أعوذ برب الناس" أنه كلام الله، ووحيه المنزل على نبيه محمد -ﷺ-، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدًا لكل هذا -أنه كافر- عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤١ - ٤٢). (^٧)
ب- اتفاق العلماء الذي حكاه ابن حزم (ت: ٤٥٦ هـ) - ﵀- في "مراتب الإجماع" على: أن كل ما في القرآن حق، وأن من زاد فيه حرفًا من غير القراءات المروية المحفوظة المنقولة نقل الكافة، أو نقص حرفًا، أو بدل منه حرفًا مكان حرف، وقد قامت عليه الحجة أنه من القرآن فتمادى متعمدًا لكل ذلك عالمًا بأنه بخلاف ما فعل فإنه كافر. (^٨)
ج- وما أجاب به الإمام مالك (ت: ١٧٩ هـ) - وقد سئل﵀-: "هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال" لا إلا على الكتبة الأولى". (^٩)
د- وما نص عليه الإمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ) - ﵀- بقوله: "تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو، أو ياء أو ألف أو غير ذلك. (^١٠)
هـ- وما رواه أبو عمرو الداني بإسناده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: أدركت الناس حين شقق عثمانُ ﵁ المصاحفَ فأعجبهم ذلك أو قال "لم يَعِب ذلك أحد. (^١١)
و- ما روي عن أنس بن مالك- (ت: ٩٣ هـ) - ﵁-: أن عثمان أرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين مصحفًا، وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف الذي أُرسل إليهم. (^١٢)
_________________
(١) تاريخ المصحف الشريف للقاضي: (ص ١٠٤ - ١٠٥). تاريخ المصحف الشريف للعلامة الشيخ / عبدالفتاح القاضي، المقرر على الصف الثالث بمرحلة التخصص بمعاهد القراءات بالأزهر، طبع على نفقة قطاع المعاهد الأزهرية، تحقيق: صفوت جودة أحمد، الناشر: مكتبة القاهرة. الطبعة السادسة: ١٤٣٨ هـ-٢٠١٧ م، عدد المجلدات: ١.
(٢) الشفا، للقاضي عياض: (٢/ ٣٠٤). الشفا بتعريف حقوق المصطفى المؤلف: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: ٥٤٤ هـ) الناشر: دار الفيحاء - عمان الطبعة: الثانية - ١٤٠٧ هـ عدد الأجزاء: ٢.
(٣) مراتب الإجماع: (ص: ٢٧٠).
(٤) المقنع، لأبي عمرو الداني: (ص: ٩). المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار، لـ" أبي عمرو الداني" وهو: أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي الداني الأندلسي، المعروف في زمانه بابن الصيرفي (ت: ٤٤٤ هـ). تحقيق: د. عزة حسن. الصف التصويري: دار الفكر - دمشق. التنفيذ الطباعي: المطبعة العلمية.
(٥) يُنظر: البرهان للزركشي: (١/ ٣٧٩). البرهان في علوم القرآن- لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت: ٧٩٤) تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم - الطبعة الأولى- دار إحياء الكتب العربية، مصر ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م.، الإتقان للسيوطي: (٤/ ١٤٦).
(٦) المقنع، لأبي عمرو الداني: (ص: ٨)
(٧) مناهل العرفان، للزرقاني: (/ ٣٧١). مناهل العرفان في علوم القرآن المؤلف: محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة الثالثة، عدد الأجزاء: ٢.
[ ٧٨ / ١٥ ]
ز- إجماع الأمة المعصومة من الخطأ بعد ذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين على تلقِّي ما نُقِل في المصاحف العثمانية التي أرسلها إلى الأمصار بالقبول، وعلى ترك ما سوى ذلك. (^١٣)
ح- وهو كذلك اختيار جمهور الفقهاء من أهل المذاهب الفقهية الأربعة. (^١٤)
ط - وقد حكاه أيضًا جمع من العلماء
وقد حكى هذا الإجماع- كذلك- غير واحد من العلماء، منهم:
١ - الجعبري: (ت: ٧٣٢ هـ) وهو: أبو محمد إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الجعبري، وقد نقل الجعبري وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع مرسوم المصحف العثماني. (^١٥)
٢ - والطحاوي: (ت: ٢٣٨ هـ) وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزديّ الطحاوي، يقول في شرح الطحاوية: "ينبغي لمن أراد كتابة القرآن أن ينظم الكلمات كما هي في مصحف عثمان - ﵁-، لإجماع الأمة على ذلك. (^١٦)
٣ - وأبو عمرو الداني: (ت: ٤٤٤ هـ)، وهو عثمان بن سعيد بن عثمان الداني الأموي مولاهم، القرطبي، في: " المقنع في رسم مصاحف الأمصار"، (^١٧)
٤ - والزمخشري: (ت: ٥٣٨ هـ) - المعتزلي- في: "الكشاف"، والزمخشري: أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري.
حيث يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ (الفرقان: ٧):
"وقعت اللام في المصحف مفصولة عن "هذا" خارجة عن أوضاع الخط العربي، وخط المصحف سنة لا تغير".
وفي شعب الإيمان للبيهقي (^١٨): "من كتب مصحفًا فينبغي أن يحافظ على حروف الهجاء التي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه شيئًا، فإنهم أكثر علمًا، وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم". (^١٩)
٥ - والدمياطي، المعروف بـ"ابن البنا": (ت: ١١١٨ هـ)، وهو: شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الدمياطي الشافعي، في "إتحاف فضلاء البشر". (^٢٠)
وقد مرت العصور المتتالية على المسلمين وهم يكتبون مصاحفهم وفق المصاحف العثمانية لا يخالفونها ولا يحيدون عنها، ولم يؤدِّ ذلك إلى أي تحريف أو تغيير أو تبديل في القرآن لا مكتوبًا ولا منطوقًا.
وقد مر معنا ذكر إجماع سلف وخلف الأمة، وإجماع علمائها وفقهائها على
_________________
(١) الكواكب الدرية على متممة الأجرومية: (ص: ٣٤). الكواكب الدرية على متممة الأجرومية للحطاب الرعيني، تحقيق: محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل; الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية; الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م.
(٢) يُنظر قول الحنفية في: مناهل العرفان، للزرقاني: (١/ ٣٧٩).، نقلًا عن: المحيط البرهاني. ويُنظر قول المالكية في: المقنع: (ص: ٩ - ١٠ - ٢٨)، القسطلاني: (١/ ٢٧٩)، الشفا، للقاضي عياض: (٢/ ٣٠٥). ويُنظر قول الشافعية في: حاشية الجمل على شرح المنهج، للشيخ سليمان الجمل: (٣/ ٤٤)، ويُنظر قول الحنابلة في: البرهان في علوم القرآن (١/ ٣٧٩)، والسيوطي الإتقان (٤/ ١٤٦).
(٣) يُنظر: سمير الطالبين، للضباع: (ص: ١٩ - ٢٠). سمير الطالبين في رسم وضبط الكتاب المبين المؤلف: نور الدين علي بن محمد بن حسن بن إبراهيم بن عبد الله المصري الملقب بالضباع (المتوفى: ١٣٨٠ هـ)، نسخة المكتبة الشاملة.
(٤) يُنظر: المرجع السابق نفسه.
(٥) المُقنع لأبي عمرو الداني: ص: (١٠ - ١٩)، الإتقان، للسيوطي: (٤/ ١٤٦).
(٦) شعب الإيمان: فصل في تنوير موضع القرآن ج ٢ ص ٥٤٨ تحقيق أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول ط. دار الكتب العلمية.
(٧) يُنظر: الكشاف للزمخشري: (٣/ ٨٢). تفسير الزمخشري: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل المؤلف: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: ٥٣٨ هـ) الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٠٧ هـ، عدد الأجزاء: ٤.
(٨) إتحاف فضلاء البشر: (١/ ٣١٩)، إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر، المسمى: منتهى الأماني والمسرات في علوم القراءات، لشهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الدمياطي، حققه وقدم له: شعبان محمد إسماعيل، الطبعة الأولى: ١٤٠٧ هـ- ١٩٨٧ م. عالم الكتب - مكتبة الكليات الأزهرية، عدد المجلدات ٢.
[ ٧٨ / ١٦ ]
ما تضمنته هذه المصاحف وعلى ترك كل ما خالفها.
ولذا فقد نص الأئمة على أن من شروط صحة القراءة وقبولها موافقة الرسم العثماني ولو احتمالًا، والمقصود بموافقة القراءة للرسم العثماني أن تكون القراءة موافقة للمصحف الإمام الذي أجمع عليه الصحابة وتلقته الأمة بالقبول، وهذا الشرط يجعل المصاحف العثمانية هي الأساس في القراءات القرآنية، ولذا فأي قراءة تخالف رسم المصحف الإمام تعد من القراءات الشاذة.