وجواب أهل الرأي الثالث إضافة لجواب أهل الرأي الثاني باختصار شديد يأتي فيما يلي:
١ - إن الواقع المشاهد يرد هذا الرأي جملة وتفصيلًا، فإنك ترى الأعجمي الذي لا يحسن العربية يتقن قراءة القرآن ويحفظه بطلاقة أفضل من كثير من أهل اللسان العربي، وترى صغار الولدان في الكتاتيب والمحاضر ودور تعليم القرآن يقرأون ويحفظون القرآن مما كتبوه بأيديهم على الألواح بالرسم المصحفي بمهارة وإتقان يفوق أقرانهم بل ومن فوقهم ممن تلقوا التعليم في المدارس النظامية التقليدية، بل
_________________
(١) ينظر: الإبريز: (ص: ١١٣)، وسمير الطالبين في رسم وضبط الكتاب المبين: (ص: ١٨).
(٢) البرهان للزركشي: (١/ ٣٧٩).
(٣) البرهان للزركشي: ١ (/ ٣٧٩)، فتح الباري، لابن حجر العسقلاني: (١/ ٢٧٩). فتح الباري شرح صحيح البخاري المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي (ت: ٨٥٢ هـ)، الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، عدد الأجزاء: ١٣.
[ ٧٨ / ٢٠ ]
وترى الأطفال الصغار يتعلمون الرسم المصحفي بطرق التهجي التعليمية في دور القرآن في وقتنا الحاضر، وهي كثيرة ومتنوعة لكنها ترجع إلى الرسم المصحفي (^٣٨)، وكذلك ترى كبار السن ومن تقدم بهم العمر وهم يتعلمون القرآن في مراحل متأخرة من أعمارهم يقرأون القرآن من المصاحف ويرتلونه بلا كلفة ولا مشقة.
٢ - وهل من أجل جهل الجاهل يغير رسم المصحف ويُرد من أجله إجماع الأمة سلفًا وخلفًا، أم أن الجاهل يُعَلَمُ ويتعلم؟!.
٣ - ولو سلَّمنا لهم جدلًا وتنزُّلًا إلى ما ذهبوا إليه، فإن التعلم في الأمة يضمحل ويذهب.
ولا يخفى على أحد أن مرسوم القواعد الإملائية عرضة للتغيير من زمان لآخر، بل ومن مكان لآخر- كذلك-. فلو أخضع الرسم الهجائي للقرآن لتلك القواعد الإملائية لأصبح القرآن عرضة للتحريف والتغير والتبديل.
٤ - إن الرسم المصحفي لا يُوقع الناس في الحيرة والالتباس أبدًا؛ لأنه ثابت لا يتغير ولا يؤثر في تغيره زمان ولا مكان، والمصاحف التي بين أيدي الناس الآن مطبوعة وظاهرة وجلية للناظرين، وهي الآن أمام أعينهم على أوضح صورة، وقد كُتِبَتْ مشكلة ومنقوطة لا التباس فيها؛ وقد وضعت فيها علامات واضحة المعالم تدل على الحروف الزائدة، أو الملحقة بدلًا عن الحروف المحذوفة، فالوقوع في الاضطراب والالتباس والحيرة أمر غير واقع ولا متوقع البتة لمن تعلم القرآن، ويكفينا في ذلك قول ربنا: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر: ١٧).
قال ابن كثير- (ت: ٧٧٤ هـ) - ﵀-: أَيْ: سَهَّلْنَا لَفْظَهُ، وَيَسَّرْنَا مَعْنَاهُ لِمَنْ أَرَادَهُ، لِيَتَذَكَّرَ النَّاسُ. (^٣٩)
٥ - وبإجابة أهل هذا الرأي يُفتح على الأمة بابُ شر وفتنة لا يعلم قدرها إلا منزل الكتاب وهازم الأحزاب، وأكبر شاهد على ذلك تلك الفتنة التي كادت أن تحدث في صدر الإسلام في اختلاف أوجه القراءة، فأخمدها الله بثالث الخلفاء الحنفاء - ﵃ أجمعين-، فقام لله ووقف موقف الجبال الراسيات ليرد الأمة لرشدها ويجمعها على كتاب ربها بـ" مصحف إمام".
٦ - وهذه الدعوات وأمثالها تفتح أمام أعين أعداء الملة بابًا يلجون منه لينالوا من القرآن طعنًا وتشكيكًا، فإذا كان هناك رسم وهجاء عثماني وآخر إملائي يتمايز أحدهما عن الآخر قالوا أيهما الصحيح الذي أُنْزِلَ من السماء؟!، ولا شك أن في هذا من المفاسد ما لا يخفى.
٧ - ومما يؤكد ما سبق ذكره من جواب أهل هذا الرأي ما حدث منذ سنوات من
_________________
(١) وهي كثيرة ومتنوعة، ومن أمثالها: برامج: نور البيان، ورياض القرآن، وغيرها.
(٢) تفسير ابن كثير: (٧/ ٤٧٨). تفسير ابن كثير: تفسير القرآن العظيم المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) المحقق: سامي بن محمد سلامة الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٢، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م، عدد الأجزاء: ٨.
[ ٧٨ / ٢١ ]
كتابة القرآن لا أقول بالرسم الإملائي بل باللغة الإنجليزية بزعم تسهيل تلاوته على الناطقين بالإنجليزية من غير العرب، بحيث يتلوه بحروف اللغة الإنجليزية فيُقرا وكانه منطوق بالعربية.
هذا- ولقد ظهر في غينيا رجل مسلم له نشاط غريب في هذا الميدان، كان يقوم ولا يزال بكتابة القرآن بالحروف اللاتينية! بعد أن وجد هناك في إفريقية سوقًا رائجة لما يكتب، ويقوم اليوم في باريس ناشر مسلم بطبع كتبه تلك وعرضها في الأسواق في رداءة طبع، وإخراج فني ممجوج!
وفي السبعينات قام رجل في مصر يدعى " لبيب الجمال " يهفو ويدعو إلى كتابة القرآن بحروف غير عربية! وتسمع " هيأة التمويل الدولية " بالمشروع فتتحمس له ولصاحب الفكرة وترصد له مليون دولار! (^٤٠).
وقد ظهر مثل هذا في فرنسا وإندونيسيا وغيرها من البلاد.
ففي فرنسا: صدر الجزء الأخير من القرآن " جزء عم " بأكمله بالحروف الفرنسية! وهناك طبعات أخرى في المكتبات تتفاوت كما وكيفًا، وهناك من يفكر في إخراج المصحف كله بالفرنسية!
وفي إندونيسيا: - البلد المسلم - ظهرت فيه هو كذلك طبعة للقرآن الكريم كله بالحروف الإندونيسية! يتداولها الناس هناك في رضا! -وقد- رفع تقريرًا عنها مبعوث رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية- إليها- (^٤١).
فهل يُنتظر من أهل هذا الرأي أن يقع نحو من هذا؟!.
وقد عُرِض بهذا الصدد استفتاء على سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن باز- رحمه الله تعالى- عن كتابة القرآن بلغة غير اللغة العربية، فأحاله- سماحته- إلى هيئة كبار العلماء، وسيأتي معنا جواب اللجنة في عرض قرارات المجامع الفقهية حول الرسم العثماني في الفصل الثاني بإذن الله تعالى.