ومن أبرز حجج وبراهين أصحاب هذا الرأي ما يلي:
١ - أن الرسم المصحفي في الجمع الأول في عهد النبي - ﷺ - كان موثق بطريقي الحفظ والكتابة، فكان التوثيق والمراجعة للمحفوظ والمكتوب على حد سواء.
والمكتوب في هذا العهد كان على الرسم المصحفي الذي هو عليه الآن.
_________________
(١) يُنظر: الاتقان للسيوطي، النوع السادس والسبعون، في مرسوم الخط وداب كتابته (٢/ ٦٥٦). الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت: ٩١١ هـ) تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم - دار التراث بالقاهرة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.
(٢) يُنظر: فضائل القرآن للمستغفري: (ص: ١٠). فضائل القرآن المؤلف: أَبُو العَبَّاسِ جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنُ المُعْتَزِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ المُسْتَغْفِرِ بنِ الفَتْحِ بنِ إِدْرِيْسَ المُسْتَغْفِرِيُّ، النَّسَفِيُّ (المتوفى: ٤٣٢ هـ) المحقق: أحمد بن فارس السلوم الناشر: دار ابن حزم الطبعة: الأولى، ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٢.
[ ٧٨ / ١٣ ]
٢ - ومما لا مرية فيه أن القرآن الكريم سطره كُتَّاب الوحي بين يدي النبي - ﷺ -، بهذا الرسم المصحفي وقد أقرهم - ﷺ - علي كتابته، وإقراره - ﷺ -، حجة في حد ذاته، فلو وجدﷺ - خطأ فيما كتبوه لما أقرهم عليه.
٣ - الرسم المصحفي ليس لأحد كائنًا من كان تغييره ولا تبديله، لأن الآمر بكتابته هو النبيﷺ - نفسه، وهو المبلغ عن ربه جل في علاه، وقد أمره الله تعالى بتبليغه لأمته، فأمر كُتَّاب الوحي أن يكتبوه في الرِّقَاع، وَالأَكْتَافِ، وَالْعُسُبِ، واللخاف، والأضلاع، والأقتاب، والأَلواحِ، وقطع الأديم، والكرانيف على الهيئة المعروفة التي نزل بها، وهي الطريقة التي أوحاها الله إليه بواسطة الأمين جبريل -﵇ -، وقد مضى عهده - ﷺ - والقرآن على هذه الكتبة، لم يحدث فيه أي تغيير ولا تبديل.
٤ - إن استمرار خليفتي النبي - ﷺ - من بعده على العمل بنفس الرسم المصحفي الذي عليه الجمع الأول يدل على أن الرسم المصحفي توقيفي ليس لأحد تغيره ولا تبديله.
٥ - يُعد تلقي أهل الأمصار المصاحفَ العثمانية بالرضا والقبول وعدم اعتراض أحد منهم على فعل عثمان - ﵁-، وفيهم جماهير مجمهرة من الصحابة، قيل إنهم يومئذ اثني عشر ألف صحابي، والتابعون كذلك منتشرون في الأمصار بأعداد يصعب حصرها لكثرتهم وانتشارهم، فكان رضاهم واستحسانهم لفعل عثمان وتأييده ومناصرته له، والثناء على ما فعل إجماعًا منهم جميعًا على صحة المصاحف العثمانية وسلامتها وعدم جواز مخالفتها، وعليه صار عمل الأئمة المجتهدين من بعدهم على ذلك في كل عصر ومصر.
وفي نحو ذلك يقول أبو بكر اللبيب- (ت: قبل ٧٣٦) - ﵀-: في " الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة ": فما فعله صحابي واحد فلنا الأخذ به والاقتداء بفعله والإتباع لأمره فكيف وقد اجتمع على كتاب المصاحف حين كتبوه نحو اثني عشر ألفًا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين؟!. (٥)
ويقول الشيخ عبد الفتاح القاضي (ت: ١٤٠٣ هـ) - ﵀-: " … وبناء على هذا يجب على كاتب المصحف وطابعه وناشره أن يتحرى كل منهم كتابته على قواعد الرسم العثماني، ولا يخل بشيء منها، ولا يغير فيها شيئًا ما، بزيادة أو نقص، أو إثبات أو حذف، حفظًا لهذا العمل الخالد، واقتداء بالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وأعلام الإسلام في سائر الأعصار والأمصار، لا فرق في ذلك بين المصاحف الكاملة، والمصاحف الصغيرة "الأجزاء" التي يتعلم فيها الصغار ومن في حكمهم من الكبار، ليتعرفوا على قواعد الرسم منذ طفولتهم، ونعومة أظفارهم، وعلى
_________________
(١) الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة، لأبي بكر بن عبدالله اللبيب: (ص: ٣٠)، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - قطر- الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ، تحقيق: عبد العلي أيت زعبول، عدد الأجزاء: ١
[ ٧٨ / ١٤ ]
معلمي القرآن -حيث كانوا- ألا يدخروا وسعًا في تعليم أبنائهم تلك القواعد من الصغر، حتى يشبوا وقد وقفوا عليها، وأحاطوا بها خبرًا، وأصبحت القراءة في المصحف ميسورة عليهم وسجية لهم" (^٦)