ونسوق بعضًا من أقوالهم بشيء من الإيجاز:
أولًا: القاضي الباقلاني:
يقول الباقلاني في "الانتصار للقرآن": ولم يؤخذ على كتبة القرآن وحُفَّاظِ المصاحف رَسْمًا بعينه دون غيره … بل السُّنَة دَلَّتْ على جواز كَتْبِهِ بأي رسم سَهُلَ وسَنَحَ للكاتب، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه وإثباته على ما
_________________
(١) ينظر: فتاوى محمد رشيد رضا (٦/ ٢٥٤١، ٢٥٤٢)، ودراسة حول القرآن الكريم لمحمد حسين الجلالي ص ١٦٧، ومدخل إلى تفسير القرآن وعلومه د. عدنان زرزور ص ١٣٢.
(٢) ينظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي: (٢/ ١٤).
(٣) ينظر: فتح القدير للشوكاني: (١/ ٢٩٥).
(٤) مباحث في علوم القرآن د. صبحي الصالح: (ص: ٢٨٠). مباحث في علوم القرآن المؤلف: صبحي الصالح الناشر: دار العلم للملايين الطبعة: الطبعة الرابعة والعشرون كانون الثاني/ يناير ٢٠٠٠ عدد الأجزاء: ١.
[ ٧٨ / ١٧ ]
بيناه سالفًا، ولا يأخذ أحدًا بخط محدود ورسم محصور، ولا يسألهم عن ذلك، ولا يُحفظ فيه حرف واحدٌ. (^٢٥)
ثانيًا: ابن خلدون
يقول ابن خلدون في " تاريخه" في فصل "أن الخط والكتابة من عداد الصنائع البشرية: "وكانت كتابة العرب بدوية، فكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة، ولا إلى التوسط لمكان العرب من البداوة والتوحش وبُعدهم عن الصنائع، وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها، ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيه تبركًا (^٢٦) بما رسمه أصحاب رسول الله ﷺ وخير الخلق من بعده، المتلقون لوحيه من كتاب الله، كما يقتفي لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركًا ويتبع رسمه خطأً أو صوابًا". (^٢٧)
ثالثًا: الشيخ محمد مصطفى المراغي:
حيث يقول في "مقدمة تفسيره": وقد جرينا على الرأي الذي أوجبه العز بن عبدالسلام في كتابة الآيات في أثناء التفسير لعلة التي ذكرها وهي في عصرنا أشد حاجة إليها من تلك العصور. (^٢٨)
رابعًا: محمد طاهر الكردي يقول الكردي: لو كان الرسم توقيفيًا لما اختلف الرسم في المصاحف التي أرسلها عثمان﵁- إلى الأمصار. (^٢٩)
ويُرد على الكردي بأن الخلاف لم يكن في المرسوم وإنما كان في اختلاف الأداء لأوجه القراءة كما هو معلوم.
خامسًا: الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي (^٣٠): يقول الدكتور شلبي: إن كل دعوة لإضافة أيّ جديد للرسم العثماني كانت تتلقى بالتحرّج أولًا، ولكنها - على الرغم من ذلك - أخذت طريقها إلى الرسم؛ إيمانًا من القائمين بها بأنّ فيها بيانًا وتوضيحًا … لقد كان المصحف خاليًا من النقط، ولما اتجه بعضهم إلى نقطه رأينا من يقف دون ذلك ويقول: جرّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء، ثم كان أن ترخص العلماء فيه، وقالوا: العجم نور الكتاب، وأنه لا بأس به ما لم تبغوا.
وبدأ أبو الأسود الدؤلي بالنقط في الحركات والتنوين لا غير، وجعل الخليل بن أحمد الهمز والتشديد والروم والإشمام، وقَفَا الناس في ذلك أثرهما، واتبعوا فيه سنتهما. (^٣١)
ودليل هؤلاء أن هذه الخطوط والرسوم ليست إلا علاماتٍ وأَمارات، فكل رسم يدل على الكلمة ويفيد قراءتها، فهو رسم صحيح، وكاتبه مُصيب. (^٣٢)
_________________
(١) الانتصار للقرآن: (٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨). الانتصار للقرآن المؤلف: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، القاضي أبو بكر الباقلاني المالكي (المتوفى: ٤٠٣ هـ) تحقيق: د. محمد عصام القضاة الناشر: دار الفتح - عَمَّان، دار ابن حزم - بيروت الطبعة: الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م عدد الأجزاء: ٢.
(٢) هذا القول من" ابن خلدون" فيه نوع تجاوز في التبرك بخطوط الصحابة، فآثار عموم المخلوقين لا يُتبرك بها ولو كانوا صحابة، فلا يجوز اتخاذ مخلوقًا أو أثرًا من آثاره للتبرك به، بل هذا من المنكرات العظيمة ومن الوسائل المؤدية للشرك الأكبر، إلا آثار خير الخلقﷺ- كالتبرك بماء وضوئه، وثوبه وطعامه وشرابه وشعره، وما مس جسده الشريف، كما هو معلوم-، فالتبرك بالآثار وسيلة للشرك ولعبادة غير الله كما حدث لقوم نوح ﵇. فإن البركة تطلب من الله تعالى وحده، وهو سبحانه الذي يملكها، ولا يملكها سواه- سبحانه- فلا يصح ولا يجوز طلبها أو التماسها من غيره- جل في علاه-. الباحث.
(٣) مقدمة ابن خلدون: (ص: ٢٤٨). ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر المؤلف: عبد الرحمن بن محمد بن محمد، ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي (المتوفى: ٨٠٨ هـ) المحقق: خليل شحادة الناشر: دار الفكر، بيروت الطبعة: الثانية، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م عدد الأجزاء: ١.
(٤) يُنظر: مقدمة تفسير المراغي: (١/ ١٥). تفسير المراغي المؤلف: أحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: ١٣٧١ هـ) الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر الطبعة: الأولى، ١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ م عدد الأجزاء: ٣٠.
(٥) "تاريخ القرآن" لمحمد طاهر الكردي: (ص: ١٠١). تاريخ القرآن الكريم المؤلف: محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكي الشافعي الخطاط (المتوفى: ١٤٠٠ هـ) ملتزم طبعه ونشره: مصطفى محمد يغمور بمكة طبع للمرة الأولى: بمطبعة الفتح بجدة - الحجاز عام ١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ م.
(٦) عبد الفتاح شلبي، من أعلام المحققين والمصححين المعاصرين نشأته: ولد الأستاذ الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي في العام ١٩٢٥ م في كفر البطيخ بمحافظة دمياط، بمصر، عمل تاجرًا للحبوب والغلال، اشتغل بعلوم اللغة وعلوم القرآن حتى بزغ نجمه، واشتهر بتحقيق كتب اللغة والتراث، وبخاصة كتب القراءات القرآنية، وله كثير من الكتب المحققة الصادرة عن دار الكتب والوثائق المصرية. عن موقع مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية.
(٧) رسم المصحف والاحتجاج به في القراءات: (ص: ١٢١). رسم المصحف والاحتجاج به في القراءات، تأليف: عبد الفتاح إسماعيل شلبي، الناشر: مكتبة نهضة مصر، سنة الطبع: ١٣٨٠ هـ ١٩٦٠ م.
(٨) يُنظر: مناهل العرفان للزرقاني: (ص: ٣١٢).
[ ٧٨ / ١٨ ]
ومما يُستدل ويُنتصر به لهذا الرأي أيضًا ما أورده أبو عمرو الداني وعزاه بإسناده إلى عامر الشعبي قال: سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة؟ فقالوا "من أهل الحيرة، وقالوا لأهل الحيرة: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من الأنبار. (^٣٣)
وما رواه" الداني" يؤكد: أن دعوى "ابن خلدون": من قلة الكتابة وندرتها وعدم إجادتها واستحكامها في جيل الصحابة أمر غير مسلم البته، وذلك لأن عدد كتاب الوحي بلغ قربة أربعين كاتبًا، والكتابة قبل الإسلام كان لها رواج في مكة، ومكة تعد يومئذ مركزًا للتجارة يتلقى أهلُها التجارةَ الوافدة من الشام واليمن وغيرها من البلدان، والمدينة- كذلك - كثر الوفود إليها بعد ظهور الإسلام، وزادت حركة الوافدين إليها للتجارة وغيرها مما يلزم من شؤون السياسة والاقتصاد التي تحتاجها الدولة المسلمة، مما زاد من احتكاك أهلها بهم، فشاع فيم أمر الكتابة وذاع.
ومع ذلك كله فلا علاقة بين إحكام الخط وإتقانه وبين الإقرار بتوقيفيته.
ومع ذلك كله فإن قول ابن خلدون: حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الإجادة"، وفي هذا كفاية لرد زعم ابن خلدون
ومن أبرز ما قيل في أن الرسم المصحفي ليس توقيفيًا:
أن وجوب التزام رسم معين إنما يعرف بالنص، وليس في الكتاب العزيز، ولا في السنة المطهرة، ولا في إجماع الأمة، ولا في القياسات الشرعية ما يحتم التزام الرسم العثماني، بل ظهر من أدلة السنة جواز كتابته بأي وجه سهل، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه ولم يبين لهم وجهًا معينًا، ولا نهى أحدًا عن كتابته بأي وجه، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، ومن ادعى أنه يجب على الأمة التزام رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه، وأنى له ذلك. (^٣٤)