فصل: يلتحق بهذا الباب خمسة أحرف
أولها: "بَيَّتَ طَائِفَةٌ" [النساء الآية: ٨١] أدغم التاء منه في الطاء أبو عمرو وحمزة.
ثانيها: "لا تَأْمَنَّا" [يوسف الآية: ١١] أجمع الآئمة العشرة على إدغامه، واختلفوا في اللفظ به فقرأ أبو جعفر بإدغامه إدغاما محضا من غير إشارة، وسيأتي له إبدال الهمزة الساكنة وافقه الشنبوذي عن الأعمش، والباقون بالإشارة، واختلفوا فيها فبعضهم، يجعلها روما فيكون ذلك إخفاء لا إدغاما صحيحا؛ لأن الحركة لا تسكن رأسا بل يضعف صوت الحركة وبعضهم يجعلها إشماما وهو عبارة عن ضم الشفتين إشارة إلى حركة الفعل مع الإدغام الصريح قالوا: وتكون الإشارة إلى الضمة بعد الإدغام فيصح معه حينئذ الإدغام، والروم اختيار الداني وبالإشمام قطع أكثر أهل الأداء قال ابن الجزري: وإياه أختار مع صحة الروم عندي، وافقهم ابن محيصن والحسن واليزيدي، وعن المطوعي عن الأعمش الإظهار المحض فينطق بنونين أولاهما مضمومة والثانية مفتوحة.
ثالثها "مَا مَكَّنِّي" [الكهف الآية: ٩٥] قرأ ابن كثير بإظهار النون، والباقون بالإدغام.
رابعها: "أَتُمِدُّونَنِ" [النمل الآية: ٣٦] أدغم النون في النون حمزة وكذا يعقوب والباقون بالإظهار، وهي بنونين في جميع المصاحف، وسيأتي حكم يائها في الزوائد إن شاء الله تعالى١.
_________________
(١) ١ انظر الصفحة: "١١٣". [أ] .
[ ٣٧ ]
خامسها: "أَتَعِدَانِنِي" [الأحقاف الآية: ١٧] أدغم هشام النون في النون وافقه الحسن وابن محيصن بخلف عنه، والباقون بالإظهار وهي كذلك في جميع المصاحف، ويأتي إن شاء الله تعالى جميع ذلك مبسوطا في محاله من الفرش.
فصل:
تجوز الإشارة بالروم والإشمام إلى حركة الحرف المدغم سواء كان مماثلا أو مقاربا أو مجانسا إذا كان مضموما، وبالروم فقط إذا كان مكسورا، وترك الإشارة هو الأصل، والإدغام الصحيح يمتنع مع الروم دون الإشمام، والآخذون بالإشارة أجمعوا على استثناء الميم عند مثلها وعند الباء، وعلى استثناء الباء عند مثلها، وعند الميم، واستثنى بعضهم الفاء عند الفاء وذلك نحو: "يَعْلَمُ مَا"، "أَعْلَمُ بِمَا"، "نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا"، "يُعَذِّبُ مَنْ"، "تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ" تنبيهان: الأول كل من أدغم الراء في مثلها أو في اللام أبقى إمالة الألف قبلها نحو: "وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" "َالنَّهَارِ لَآياتٍ" لعروض الإدغام والأصل عدم الاعتداد به، وروى ابن حبش عن السوسي فتح ذلك حالة الإدغام اعتدادا بالعارض، والأول مذهب ابن مجاهد وأكثر القراء، وأئمة التصريف، وقد ترجح الإمالة عند من يأخذ بالفتح في قوله تعالى: "فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ" لوجود الكسر بعد الألف حالة الإدغام قاله في النشر قياسا١.
الثاني: لا يخلو ما قبل الحرف المدغم إما أن يكون متحركا أو ساكنا فالأول: لا كلام فيه، والثاني: إما أن يكون معتلا أو صحيحا، فإن كان معتلا أمكن الإدغام معه وحسن لامتداد الصوت به، ويجوز فيه ثلاثة أوجه: المد والتوسط والقصر كالوقف سواء كان المعتل حرف مد نحو: "الرحيم ملك"، "قَالَ لَهُمْ"، "يَقُولُ رَبَّنَا" أو حرف لين نحو: "قَوْمُ مُوسَى"، "كَيْفَ فَعَلَ" والمد أرجح، وفي النشر لو قيل باختيار المد في حرف المد والتوسط في حرف اللين لكان له وجه لما يأتي في باب المد إن شاء الله تعالى٢، وإن كان الساكن صحيحا عسر الإدغام معه لكونه جمعا بين ساكنين ليس أولهما حرف علة وذلك نحو: "شَهْرُ رَمَضَانَ"، "الْعَفْوَ وَأْمُرْ"، "زَادَتْهُ هَذِهِ"، "الْمَهْدِ صَبِيًّا" وفيه طريقان ثابتان صحيحان مأخوذ بهما: طريق المتقدمين إدغامه إدغاما صحيحا، قال الحافظ البارع المتقن الشمس ابن الجزري: والإدغام الصحيح هو الثابت عند قدماء الأئمة من أهل الأداء والنصوص مجتمعة عليه الطريق، الثاني: لأكثر المتأخرين أنه مخفي بمعنى مختلس الحركة، وهو المسمى بالروم المتقدم آنفا، وهو في الحقيقة مرتبة ثالثة لا إدغام ولا إظهار، وليس المراد الإخفاء المذكور في باب النون الساكنة والتنوين، وفرارهم من
_________________
(١) ١ انظر الصفحة: "١/ ٢٧٥". [أ] . ٢ انظر الصفحة: "٣٧" من هذا الكتاب. [أ] .
[ ٣٨ ]
الإدغام الصحيح لما يلزم عليه من التقاء الساكنين على غير حده؛ وذلك لأن قاعدة الصرفيين أنه لا يجمع بين ساكنين إلا إذا كان الأول حرف علة مدا أو لينا، فإن كان صحيحا جاز وقفا لعروضه لا وصلا فحصل من قاعدتهم أنه لا يجمع بين ساكنين والأول صحيح في الوصل، وقد ثبت عن القراء اجتماعهما، فخاض فيها الخائضون توهما منهم أن ما خالف قاعدتهم لا يجوز، وهو كما قاله جميع المحققين أنا لا أسلم أن ما خالف قاعدتهم غير جائز بل غير مقيس، وما خرج عن القياس إن لم يسمع فهو لحن١، وإن سمع فهو شاذ قياسا فقط، ولا يمتنع وقوعه في القرآن وأيضا فهو ملحق بالوقف إذ لا فرق بين الساكن للوقف والساكن للإدغام، ثم نعود ونقول دعواهم عدم جوازه وصلا ممنوعة، وعدم وجدان الشيء لا يدل على عدم وجوده في نفس الأمر فقد سمع التقاؤهما من أفصح العرب بل أفصح الخلق على الإطلاق -ﷺ- فيما يروى "نعما المال الصالح للرجل الصالح" قاله أبو عبيدة، واختاره وناهيك به، وتواتر ذلك عن القراء وشاع وذاع ولم ينكر وهو إثبات مفيد للعلم، وما ذكروه نفي مستنده الظن، فالإثبات العلمي أولى من النفي الظني، ولئن سلمنا أن ذلك غير متواتر فأقل الأمر أن يثبت لغة بدلالة نقل العدول له عمن هو أفصح ممن استدلوا بكلامهم، فبقي الترجيح في ذلك بالإثبات وهو مقدم على النفي وإذا حمل كلام المخالف على أنه غير مقيس أمكن الجمع بين قولهم، والقراءة المتواترة والجمع ولو بوجه أولى، وقال ابن الحاجب بعد نقله التعارض بين قولي القراء والنحويين ما نصه: والأولى الرد على النحويين في منع الجواز فليس قولهم بحجة إلا عند الإجماع، ومن القراء جماعة من أكابر النحويين فلا يكون إجماع النحويين حجة مع مخالفة القراء لهم، ثم ولو قدر أن القراء ليس فيهم نحوي فإنهم ناقلون لهذه اللغة وهم مشاركون للنحويين في نقل اللغة فلا يكون إجماع النحويين حجة دونهم، وإذا ثبت ذلك كان المصير إلى قول القراء أولى؛ لأنهم ناقلوها عمن ثبتت عصمته عن الغلط في مثله؛ ولأن القراءة ثبتت متواترة وما نقله النحويون آحاد، ثم لو سلم أنه ليس بمتواتر فالقراء أعدل وأكثر فكان الرجوع إليهم أولى ا. هـ. والله أعلم٢.
النوع الثاني الإدغام الصغير: وهو ما كان الحرف المدغم منه ساكنا، وينقسم إلى واجب وممتنع وجائز.
الأول: إذا التقى حرفان أولهما ساكن نحو: "رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ"، "يُدْرِكْكُمُ"، "يُوَجِّهْهُ"، "قَالَتْ طَائِفَةٌ"، "قَدْ تَبَيَّنَ"، "أَثْقَلَتْ دَعَوَا" وجب إدغام الأول منهما بشروط ثلاثة الأول: أن لا يكون أول المثلين هاء سكت فإنها لا تدغم؛ لأن الوقف على الهاء منوي نحو: "مَالِيَهْ هَلَكَ" ويأتي الكلام عليها في محلها إن شاء الله تعالى الثاني: أن لا يكون حرف مد نحو: "قَالُوا وَهُمْ"، "فِي يَوْمٍ" لئلا يذهب المد بالإدغام الثالث: أن لا يكون أول الجنسين حرف حلق نحو: "فَاصْفَحْ عَنْهُمْ".
القسم الثاني: الممتنع وهو أن يتحرك أولهما، ويسكن ثانيهما مثاله في كلمة "ضْلَلْتُمْ" وفي كلمتين "قَالَ الْمَلَأُ".
القسم الثالث: الجائز وهو المراد هنا وينحصر في فصول ستة وهي: إذ، وقد، وتاء التأنيث، وهل، وبل، وحروف قربت مخارجها، وأحكام النون الساكنة والتنوين.
_________________
(١) ١ أي: خطأ لخروجه عن القياس. [أ] . ٢ للمزيد انظر النشر لابن الجزري: "١/ ٢٩٢". [أ] .
[ ٣٩ ]