قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة: ٥)
إن تلاوة القرآن الكريم وفهمه وحفظه مهم لحياة المسلم ولكن لب التعامل مع كتاب الله تعالى هو العمل به في شؤون الحياة كلها: لكي ينعم الإنسان بسعادة الدنيا والآخرة فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثني الذين كانوا يقرئوننا، عثمان وابن مسعود وأبي ﵃ أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم (العشر آيات) فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يعملوا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا " (١) .
وقد بين رسول الله ﷺ أهمية العمل وقيمته بكتاب الله تعالى حيث روى أنه قال ﵊: "المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر أو خبيث وريحها مر " (٢) .
_________________
(١) أحمد بن حنبل، مسند أحمد، مرجع سابق، جـ٥، ص ٤١١.
(٢) محمد بن إسماعيل البخاري، مرجع سابق، أخرجه في كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن، رقم الحديث ٥٠٥٩.
[ ٢١ ]
وقد تواترت الآثار عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى بمراعاة جانب العمل بالقرآن الكريم في جميع شؤون الحياة كلها وإعطائها الأولوية، والتنادي برفعة مقام من وفق إليه، والتشهير بمن كان على خلاف ذلك" (١) .
وقد جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن " (٢) .
وعن ابن عباس ﵄ في تفسير قول الله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾
(البقرة آية: ١٢١)، أي يتبعونه حق اتباعه (٣) . وفي تفسير الآية لمجاهد رحمه الله تعالى أي يعملون به حق عمله (٤) .
والأسلوب الفعال للعمل بالقرآن الكريم يشمل التطبيق التربوي وهذا التطبيق التربوي الممارس يشمل الفعل والترك أي فعل المأمور بفعله وترك المنهي عنه مع الالتزام بالأخلاق الحميدة، والآداب الفاضلة وترك مساوئ الأخلاق واجتناب أهلها.
وعن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجًا يوم القيامة، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟ " (٥) .
_________________
(١) عيادة بن أيوب الكبيسي، أبرز أسس التعامل مع القرآن الكريم، دبي: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، ١٤١٨هـ، ص ١٠٥ – ١٠٦.
(٢) محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، القاهرة: دار المعارف، ١٣٩٩هـ، جـ ١، ص ٣٦٠.
(٣) محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، جـ ١، ص ٥٢٠.
(٤) محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، جـ ١، ص ٥٢٠.
(٥) سليمان بن الأشعث أبو داود، سنن أبي داود، بيروت: دار إحياء التراث العربي، أخرجه أبو داود في الصلاة في باب ثواب قراءة القرآن، رقم الحديث ١٤٥٣.
[ ٢٢ ]
والأسلوب التربوي الفعال بالعمل بالقرآن الكريم يظهر فيه بوضوح تذكير التلاميذ وتعويدهم أن يحفظوا آيات القرآن الكريم ويعملوا بها، لأن الحفظ دون العمل بأحكام القرآن من سوء العمل، مع تعويد التلاميذ على قراءة سيرة الصحابة ﵃ الذين لا يجاوزون معرفة عشر آيات حفظًا حتى يعملوا بما فيها، مع التركيز على القدوة الحسنة من المعلم نفسه حيث يظهر في سلوكه العمل بالقرآن الكريم، لأن ذلك يساعد الطلاب على العمل بأحكام القرآن الكريم، ومعلم القرآن الكريم إذا عمل بالقرآن الكريم فهو يؤدي بفعله إلى إيصال الخير إلى غيره بالقول والعمل، وتكون دعوته أبلغ وتعليمه أنفع لنفسه ولغيره، حيث نرى هذا المعلم الصالح يحذر مما حذره مولاه، ويخاف مما خوفه من عقابه، ويرغب فيما رغبه مولاه، ويرجو ذلك من الله تعالى رغبة وحبًا لله تعالى.
ونختم الحديث عن الأسلوب التربوي الفعال بالعمل بالقرآن الكريم بقول سيدنا علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "يا حملة القرآن أو قال يا حملة العلم – اعملوا به، فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم، لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقًا يباهي بعضهم بعضًا، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى" (١) .
_________________
(١) يحيي بن شرف النووي، ت ٦٧٦، التبيان في آداب حملة القرآن، تحقيق سيد زكريا، مكة المكرمة، مكتبة نزار الباز، ١٤٢٠هـ، ص ٣٠.
[ ٢٣ ]
ولذا على طالب القرآن الكريم، والعلم عمومًا، أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها والأخلاق الحميدة، وأن يراقب الله تعالى في سره وعلانيته خوفًا من عذابه، ورجاء مغفرته ومحبة في طاعته ورضوانه، وأن يحافظ على ذلك العلم النافع وأن يكون تعويله في أموره جميعها على مولاه الله ﷾.
[ ٢٤ ]