ذكر ابن خالويه﵀في إعراب قوله تعالى (^١): ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ قال: «فالهاء كناية عن أبي بكر الصّدّيق ﵁»
وفي حديث الإفك قال (^٢): «فأنزل الله براءتها وأرغم أنوف المنافقين» وفي قوله تعالى (^٣): «والذي قال لوالديه أفّ لكما» قال: «والباقون «أُفٍّ» وقد ذكرت علله في ﴿سُبْحانَ﴾، وإنما ذكرته أيضا؛ لأنّ بعض المفسرين قال: هو عبد الرحمن ابن أبي بكر الصّديق قبل أن يسلم، وذلك غلط! وإنما نزل في الكافر العاقّ».
ولم يذكر أحدا من الصّحابة ﵃ بسوء لا ظاهرا ولا مستترا، وترضى عنهم أجمعين، وذكر في مؤلفاته قصصا في مناقب أبي بكر وعمر وعثمان، وأثنى عليهم، ووجه قراءاتهم توجيها لائقا، ولا يفعل هذا رافضيّ أبدا؛ فإن الرّافضي إذا لم ينل منهم سكت عن مناقبهم.
ومما يزيدك أنسا وينفي دعوى التّشيع المزعومة من أساسها الحوار الذي جرى بين ابن خالويه وبعض الرّافضة ذكره فى سورة (الكهف) من (إعراب القراءات) قال (^٤) -في إعراب قوله تعالى: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ -: «ما» بمعنى الذي، وصلته ﴿مَكَّنِّي﴾ و﴿خَيْرٌ﴾ خبر الابتداء، ومعناه: الذي مكنني فيه ربي
_________________
(١) سورة الليل: آية: ويراجع: إعراب ثلاثين سورة: ٨٩.
(٢) إعراب القراءات: ١٠٣.
(٣) سورة الأحقاف: آية: ١٧. ويراجع إعراب القراءات: ٢/ ٣١٨.
(٤) إعراب القراءات: ١/ ٤١٩.
[ تقديم / ٤٨ ]
¬خير، وليست جحدا وكذلك قول الرّسول ﷺ: «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» بالرّفع، والرّافضة تقف به «ما تركنا صدقة» فاخطئوا الإعراب والدّين جميعا.
وناظرنى بعض الرافضة فى قول النبي ﷺ: «ما نفعنى مال قطّ ما نفعنى مال أبي بكر ﵁، فقال: ما الثانية جحد مثل الأولى أي: لم ينفعنى مال أبي بكر؟ ! فقلت له: إن قلة معرفتك بالعربية أدتك إلى الكفر، وإنما «ما» الثانية بمعنى «الذى».وتلخيصه: لم ينفعنى مال كما نفعنى مال أبي بكر ﵁، وهذا واضح جدا».
فلا أظن أنه يبقى مع ذلك أدنى شك فى صحة معتقده وعدم تمذهبه بالمذهب الإمامى الرافضى.
قال الحافظ الذّهبى فى تاريخه (^١): «كان صاحب سنّة».
وقال الحافظ ابن حجر (^٢): «قلت: يظهر ذلك تقربا لسيف الدّولة صاحب حلب فإنه كان يعتقد ذلك.
أقول: لعل الأمر على خلاف ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر﵀- فالحافظ الذهبي﵀عند ما ذكر الأمير سيف الدّولة الحمدانى فى سير أعلام النبلاء قال: «كان أديبا، مليح الشعر فيه تشيّع».
إذا فنزعة ابن خالويه إلى التشيع إذا لم تكن إرضاء لسيّده سيف الدولة، فإنها تجد ارتياحا وقبولا لديه، لا العكس.
وابن حجر﵀متأثر بمصدره الذى نقل عنه، وهو أخبار الشّيعة لابن أبي طي، لذلك نهى كثير من علماء السّلف عن الرجوع إلى كتب أهل البدع. وابن أبي طي هو الذى قال عنه الحافظ ابن حجر نفسه (^٣): «وقفت على تصانيفه، وهو كثير الأوهام والسقط والتصحيف».
_________________
(١) لسان الميزان: ٦/ ٢٦٣.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) المصدر نفسه.
[ تقديم / ٤٩ ]
¬فذكر ابن خالويه فى عداد الشّيعة من أوهام ابن أبي طي بلا إشكال، وإنما هو شافعىّ لديه نزعة تشيّع.
وأثر هذه النزعة تلمس فى آثاره كإكثاره من ذكر آل البيت، ونقل كلامهم، والنقل عنهم-مما يوهم تشيعه-ما هذا إلا من تأثره بشيوخه من الشّيعة، ولا يلزم من المشيخة التّمذهب بمذهب الشيخ، وابن خالويه متسامح فى نقله عن الشيوخ فتراه ينقل عن ابن المسبّحى ويقول (^١): «وكان كذابا» فى مواضع من مؤلفاته. ولم ينقل أخبارا تفرد بها ابن المسبحى فينقلها عنه على سبيل ندرتها للاستئناس بها فيكون له بعض العذر فى ذلك، ولكنه ينقل عن ابن المسبحى ويردفه بقوله: -وكان كذابا-عن أبيه عن أبي حنيفة الدّينورى وينقل نصا من كتاب «النبات» وكان باستطاعته أن ينقل عن كتاب «النّبات» دون سند إليه وكذا فعل فى نقل نصوص كثيرة من كتب لم يسق إليها سندا.
وما ذكره ابن المسبّحيّ فى أسانيده وروايته عنه مع اقتناعه بكذبه إلا لأنه كان متسامحا فى النقل، محبا فى الإكثار من ذكر الشيوخ والأسانيد؛ لذلك لا يبالى أن يكون فى شيوخه كذاب كابن المسبحى هذا، أو صاحب بدعة كابن الجبائى، وبعض الشّيعة، وكان من نتيجة هذا التّساهل أن رأينا أثر التشيع ظاهرا فى بعض رواياته ونقله وإن كان سنيا سلفيا (^٢) شافعىّ الفروع.
وترجم له الشافعية فى طبقاتهم وعدوه فقيها شافعيا.
ذكره ابن الصلاح، والأسنوى، والسّبكى وقال (^٣): «وقد روى «مختصر
_________________
(١) شرح المقصورة: ٢١٣.
(٢) نقل ابن العديم فى بغية الطّلب: ٧٥٧ بسنده عنه قوله: كنت عند سيف الدّولة وعنده ابن بنت حامد فناظرنى على خلق القرآن فلما كان تلك الليلة نمت فأتانى آت فقال: لم لم تجتح عليه بأول القصص طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* نَتْلُوا عَلَيْكَ والتّلاوة لا تكون إلّا بالكلام.؟ ! .
(٣) طبقات الشافعية الكبرى للسبكى: ٣/ ٢٩٦، وطبقات الشافعية للاسنوى: ١/ ٤٧٥.
[ تقديم / ٥٠ ]
¬المزنى» عن أبى بكر النيسابورى» و«مختصر المزنى» من قواعد المذهب الشّافعىّ وأركانه التى تقوم عليها مثل «مختصر الخرقى» عند الحنابلة، و«مختصر القدورى» عند الأحناف، و«مختصر خليل» عند المالكية. وهو أحد الكتب الخمسة المشهورة عندهم، مؤلفه اسماعيل بن يحيى المزنى (ت ٢٦٤).
ونقل السّبكى عن ابن الصّلاح أنه حكى فى «إعراب ثلاثين سورة (^١)» مذهب الشّافعى فى البسملة وكونها آية من أول كل سورة قال: والذى صح عندى وإليه أذهب مذهب الشافعى.
وتردد ذكر الشّافعى فى مؤلفاته من بين الأئمة الأربعة، وذكره دون سواه فى إعراب القراءات فى عدة مواضع (^٢)، وقارن بين مذهبه ومذهب أبي حنيفة في بعض المسائل الفقهية، ووصف الأحناف ب «أهل العراق».
وابن خالويه-فى نظرى-عاش حياة غير مستقرة فى بداية أمره خرج من بلاد فارس إلى العراق ومنها إلى ميّفارقين وحمص ثم إلى حلب فأراد أن يلجأ إلى خليفة أو أمير تكون مجالسته شهرة له، ويكون قربه منه محلّ فخره واعتزازه، فوجد فى سيف الدّولة بغيته فهو الشاعر الأديب، العالم، الإمام، الأمير، المجاهد، الشّجاع، حامى ثغور الإسلام، وسيف الدولة أمير عربىّ فخور بعروبته، وهذا ما جعله يكون محلّ إعجاب أبي الطيب المتنبي المتحمس لهذا الانتماء أيضا؛ لأنّه وجد فيه الانتماء العربي والشجاعة فى منازلة الروم، فالعروبة والشجاعة محل تقدير أبي الطيب. وفيه من تكريم العلم والاهتمام بأهله ما يجعله محل إعجاب ابن خالويه.
ونظرا لانتماء ابن خالويه الفارسى وفقده النسب العربى عند أمير عربى فخور بهذا الانتماء، ونظرا لحرص ابن خالويه على تصدر مجالس سيف الدولة دون منافس؛
_________________
(١) إعراب ثلاثين سورة: ١٥.
(٢) تراجع الصفحات: ١/ ١٢، ٢٠٤، ٢٥١، ٢/ ٥٥، ١٤٣، ٤٠٨.
[ تقديم / ٥١ ]
¬لأن سيف الدولة «مقصد الوفود، وكعبة الجود، وفارس الإسلام، وحامل لواء الجهاد، وكان أديبا، مليح النظم، ويقال: ما اجتمع بباب ملك من الشعراء ما اجتمع ببابه، وكان يقول: عطاء الشعراء من فرائض الأمراء» (^١) .
نظرا لهذا كله حاول ابن خالويه أن يكون هو المقدم من بين العلماء والشعراء فى مجلس الأمير وهو يعلم أنه لن يخضّ بهذه المرتبة إلا باطلاع واسع، وعلم جم، وبلاغة لسان، وقوة جنان، وتحصيل وافر، وبحر من العلم زاخر، ليعوّض به ما فاته من شرف النّسب.
روى العميدى (^٢) وغيره: «أن ابن خالويه وأبا الطيب اللغوى اجتمعا فى مجلس سيف الدولة-وكان المتنبي موجودا فى ذلك المجلس-فتذاكر ابن خالويه وأبو الطيب اللغوى بمسألة فى اللغة والمتنبي ساكت، فقال سيف الدولة: ألا تتكلم يا أبا الطيب-يريد المتنبي-فذكر المتنبي ما قوّى حجة أبى الطيب اللغوى وضعف قول ابن خالويه فغضب ابن خالويه وأخرج من كمه مفتاحا حديديا فقال له المتنبى: اسكت ويحك أنت فارسي وأصلك خوزي فمالك وللعربية، فضربه وسال دمه».
وذكر السّيوطى عن أبي على الصّقلّي (^٣) قال: «كنت فى مجلس ابن خالويه فوردت عليه من سيف الدولة مسائل تتعلق باللغة فاضطرب لها، ودخل خزانته واخرج منها كتب اللغة وفرقها فى أصحابه يفتشونها، فتركته وذهبت إلى أبي الطيب اللّغوى وهو جالس وقد وردت عليه تلك المسائل بعينها وبيده قلم الحمرة فأجاب به ولم يغيّره قدرة على الجواب».
ولابن خالويه قصص وحكايات مع أبي الطيب اللّغوي، وكان يسميه (قرموطة الكبرتل) (^٤) أي: دحرجة الجعل؛ لأنه كان قصيرا.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء للذّهبى: ١٦/ ١٨٨.
(٢) الصبح المنبي: ٦٤.
(٣) تحفة الأديب: ١/ ١٧٢، ويراجع رسالة ابن القارح: ٢٧٦. وبغية الطّلب: ٤٥٣١.
(٤) رسالة الغفران: ٥٥٠.
[ تقديم / ٥٢ ]
¬قال ابن القارح (^١): حدّثنى الثّقة أنه كان فى مجلس أبي عبد الله ابن خالويه، وقد جاءه رسول سيف الدولة يأمره بالحضور، ويقول قد جاء رجل لغوى-يعنى أبا الطيب اللّغوى-قال المحدّث: فقمت من عنده ومضيت إلى المتنبي وحكيت له الحكاية فقال: الساعة يسأل الرجل عن شوط براح والعلّوض ونحو ذلك يعنى أنه يعنّته».
وله مع أبي على الفارسي قصص وحكايات شبيهه بهذا وكان الفارسى يسميه الجاهل (^٢) مردها جميعا أنه يريد أن لا ينافس على صدارة مجلس سيف الدولة، ولا يهمه بعد ذلك ارتكب ما ارتكب من المخالفات، لذلك جامله بالميل إلى التشيع الذى يميل إليه الأمير، وإن كانت ندرة هذه النزعة تأثرا بشيوخه من الشيعة، فهو شافعى المذهب لديه نزعة تشيّع لا تخرجه إلى الرّفض. كما أنه أخذ عن شيوخ المذهبين البصرى والكوفى فهو تلميذ شيخ البصريين أبى سعيد السيرافى، تلميذ شيخ الكوفيين أبي بكر ابن الأنباري.
قال ابن النديم فى الفهرست (^٣): « وقرأ على أبي السيرافى وخلط المذهبين».
***
_________________
(١) المصدر نفسه. وعلّق على ذلك أبو العلاء بقوله: «أمّا أبو عبد الله بن خالويه واحضاره للبحث النسخ، فإنه ما عجز ولا أفسخ- أى نسي- ولكنّ الحازم يريد استحضارا، ويزيد على الشهادة الثانية ظهارا، أرى الحاجات عند أبى خبيب نكدن ولا أميّة فى البلاد
(٢) بغية الطلب: ٢٢٦٥، قال مؤلفه ابن العديم﵀-: «ذكر ذلك فى غير موضع من كتاب «التذكرة» ». أين كأبي عبد الله؟ لقد عدم من الشام فكان كمكه إذ فقد هشام ».
(٣) الفهرست: ٩٢.
[ تقديم / ٥٣ ]