ألّف ابن خالويه كتبا كثيرة فى النّحو واللّغة والقراءات والأدب، وأغلب مؤلفاته تدور حول هذه الفنون، وإذا كان لنا أن نطبق عليه مصطلح العصر قلنا:
إن تخصّصه الدّقيق هو (معرفة اللّغة) أصولها، واشتقاقها، وبنية ألفاظها، ومحاولة جمع غريبها ونادرها، والرّبط بين مشتركها، ومعرفة مترادفها ومتواردها، وابن خالويه مغرم بجمع ذلك كلّه وحصره ومحاولة استقصائه فى كلام العرب، ولعلّ فى تأليفه كتاب (ليس) أصدق ما يمثل هذه الظّاهرة، كما أن لهذه الظاهرة أثرا واضحا فى مؤلفاته اللّغوية-ما عدا الشّروح-مثل كتاب «الآل» و«الألفات» و«الماءات»، وكتاب «لا» وكتاب «شكاة العين» و«كتاب الرّيح» و«أسماء الأسد» و«الحيّة»
-كلّ هذه وغيرها من مؤلفات ابن خالويه ما عرفنا منها وما لم نعرف ألفها ابن خالويه على هذا المنهج، راعى فيها الحصر والاستقصاء، وما لم يؤلّف فيه كتابا على حدة ذكره ضمن مؤلفاته الأخرى فى فصل خاصّ.
-جاء فى إعراب القراءات: ٢٦٤/ ٢: «تأملت «إن» فى العربية فوجدتها تنقسم أربعة وعشرين قسما ».وفى شرح المقصورة: ٥١٥: «باب فى الشيب يصلح للحفظ».
-وجاء فى إعراب القراءات أيضا: ٤٧٤/ ٢: « «هل» تنقسم فى كلام العرب ثمانية أقسام ».
-وفيه أيضا: ٣٤٧/ ١: «تأملت «نجا» فى العربية فوجدته ينقسم خمسة أقسام».
ومؤلّفاته فى الدّراسات القرآنية سلك فيها مسلك شيخه ابن مجاهد متأسيا به شاكرا له، مثنيا عليه، دائرا فى فلكه لا يحيد عنه، قال فى شرح المقصورة:
[ تقديم / ٥٨ ]
¬٢٥٥: «وحدّثنا محمد بن عبد الواحد عن ثعلب عن ابن الأعرابى، وحدّثنا ابن دريد عن سمعان النّحوى عن رجاله. وحدّثنا أيضا ابن مجاهد-وأكرم به- قال » فأثنى عليه دون شيخيه الآخرين مع أنه ذكرهم فى مقام واحد.
وفى إعراب القراءات: ١٩٠/ ٢: «أمّا فى الزّخرف ﴿يا عِبادِ﴾ فنذكره فى موضعه-إن شاء الله-كما ذكره ابن مجاهد؛ لأنا نحن متبعون لشيوخنا لا مبتدعون».
ويظهر لى أنّ ابن خالويه تعمّق فى اللّغة والنحو والإعراب أكثر من شيخه، ولذا كان لابن خالويه جهود فى تعليل القراءات أفادها من شيوخه الآخرين، أو استنبطها بثاقب رأيه.
قال فى إعراب القراءات: ٢٨١/ ٢: «وسألت ابن مجاهد فقلت: إنّ القاف تبعد عن النّون أشدّ بعدا من الميم فلم أظهر حمزة النّون عند القاف فى ﴿حم عسق﴾؟ فقال: والله ما فكرت فى هذا قطّ، ولا ارتقيت فى النحو إلى هنا».
وكان ابن خالويه يقرأ مؤلفات شيوخه وغيرهم، ويعلّق على هوامشها تعليقات نافعة مفيدة.
فقرأ كتاب «الدّيباج» لأبى عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢٠٩ هـ؟) - لدى نسخة خطية منه (^١) -أدخل فى صلبها بعض التّفسيرات والتعليقات من كلام ابن خالويه. وزاد على كتاب «الدّواهى» لأبى عبيدة أيضا، ومن زيادته نسخة فى مكتبة قوغوشلر رقم (١٠٦٩) فى ورقة واحدة رقم ٤٢.
وفى نوادر أبي مسحل الأعرابي المطبوع فى دمشق سنة ١٣٨٠ هـ بتحقيق الدّكتور عزة حسن تعليقات نادرة مفيدة واستدراكات من كلام ابن خالويه، يراجع: ٢٣، ٢٢، ١١، ٤، ٣، ٢، ١/ ١، ونسخة «النوادر» الخطّية التى نشر عنها الكتاب نسخت من نسخة بخطّ ابن بلبل (محمد بن بلبل البغدادىّ) قرأها على شيخه ابن خالويه وكتب عليها ابن بلبل: «قرأت «نوادر
_________________
(١) طبع فى مكتبة الخانجى حققته مع زميلى الدكتور عبد الله بن سليمان الجربوع.
[ تقديم / ٥٩ ]
¬أبى مسحل» على أبى عمر الزاهد» (محمد بن عبد الواحد) قال: قرأته على أبى العبّاس ثعلب، ثم كتب ابن خالويه بخطه: صدق وبرّ أبو عبد الله محمد بن بلبل البغدادىّ -أيّده الله-قرأ على هذا الكتاب قراءة متقن للّغة عارف بها وصحّحه وضبطه، وكتب الحسين بن خالويه بيده ».
-وروى ابن خالويه كتاب «جمهرة اللّغة» لأبى بكر بن دريد شيخه (ت ٣٢١ هـ) كما روى «الجمهرة» عن مؤلفها شيخاه أبو عمر الزّاهد (ت ٣٤٥ هـ) وأبو سعيد السّيرافىّ (ت ٣٦٨ هـ) ولكلّ واحد منهم تعليقات على نسخته منها.
-قال محقّق «الجمهرة» الدّكتور رمزى البعلبكىّ فى وصف نسخها:
النّسخة المحفوظة فى مكتبة ليدن ثم قال: والقسمان الثانى والثالث من هذه النسخة برواية أبى سعيد السّيرافيّ المتوفى سنة ٣٦٨ هـ، وله تعليقات أثبتناها فى الحواشى.
-وذكر المحقق الفاضل أنه اعتمد على قطعة صغيرة من نسخ «الجمهرة» محفوظة فى المتحف البريطانى بخط قديم فى عهد المؤلّف وعلى حواشى هذه القطعة تعليقات لغلام ثعلب أبى عمر الزّاهد (ت ٣٤٥ هـ).
-وقال الحافظ السّيوطىّ -﵀فى المزهر: ٩٥/ ١ «ظفرت بنسخة منها بخطّ أبي نمر أحمد بن عبد الرّحمن بن قابوس الطّرابلسىّ وقد قرأها على ابن خالويه بروايته لها عن ابن دريد وكتب عليها حواشى من استدراك ابن خالويه على مواضع منها ونبّه على بعض أوهام وتصحيفات».
-وذكر محقق «الجمهرة» الدّكتور البعلبكى نسخة الآصفية قال: وهى نسخة قرئت على ابن خالويه، وأبى العلاء المعرّى، ولهما حواش عليها، وهى مكتوبة سنة ١٠٧٨ هـ.
[ تقديم / ٦٠ ]
¬أقول: -وبالله التّوفيق-: لا يبعد أن تكون هذه النّسخة نسخت عن النّسخة المحفوظة فى مكتبة مرادملا رقم (١٧٣٨) وهى مكتوبة بخطّ جميل متقن -إن شاء الله-لم أقرأها، وهو مضبوط بالشّكل. قال ناسخها: فرغت من المقابلة بها على النّسخة التى قرأتها على الشّيخ أبى العلاء﵀وهذه النسخة مكتوبة سنة ٤٧٤ هـ ناسخها عبد الغالب بن عبد الله بن عمرو.
-قال القفطىّ فى إنباه الرّواة: ٤٩/ ١ فى ترجمة أبى العلاء المعرى: «ولما كبر أبو العلاء ووصل إلى سن الطلب أخذ العربية عن قوم من بلده كبنى كوثر أو من يجرى مجراهم من أصحاب ابن خالويه وطبقته وقيّد اللّغة عن أصحاب ابن خالويه أيضا».وكان والد أبى العلاء من تلاميذ ابن خالويه.
-وقد فات الدّكتور البعلبكى الاطلاع على نسخة مراد ملاّ المذكورة، كما فاته الإشارة إلى نسخة الفاتح ذات الرقم (٥١٨٧) وغيرهما من النسخ، وما اعتمد عليه من النّسخ فيه كفاية لاخراج نصّ سليم، ولو أفاد من هذه النّسخ لكان أتم وأوفى.
-ولابن خالويه﵀قراءة ورواية وتصحيح وتعليق على كتاب شيخه أبي عمر الزّاهد (العشرات) وقد دخلت تعليقاته فى صلب كتاب الشّيخ؛ لأنّه من إملائه، وهذه الزّيادات مبدوءة ب «قال ابن خالويه».
-هذا ما عرفته من تعليقه على مؤلفات العلماء السّابقين من شيوخه وغيرهم، وفيها دلالة ظاهرة على اهتمامه بالكتب، والاعتناء بروايتها وسماعها، والتّعليق عليها، واستدراك ما فاتها، ولعله دون هذه الملاحظات والاستدراكات العابرة أثناء المطالعة زمن الطّلب عند قراءة هذه الكتب، فهي بدايات جيّدة للجمع والتّأليف، وبعدها أخذ فى تأليف الكتب، فكانت هذه الثّروة العلمية المباركة التى عرفت منها قدرا صالحا يمثل صورة صادقة لتكوينه الفكرىّ، وتحصيله العلمى، وذكائه، وقدرته على المناقشة والإبداع.
وإليك مؤلّفاته بشيء من التّفصيل حسب الاستطاعة:
[ تقديم / ٦١ ]