يظهر لى أن ابن خالويه تصدّر مجالس التّعليم بمدينة حلب، ولا أعرف أنّه تصدّر قبلها، ولا أدرى على التّعيين متى كان ذلك؟ كما أنّنا نجهل متى وصل حلب؟ وهل وصلها وافدا على سيف الدّولة أو أنّها كانت ضمن رحلته فى طلب العلم فاستوطنها.
وأصبح فى حكم المؤكّد أنّه كان موجودا بحلب قبل سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وهى السنة التى أنشد فيها أبو الطيّب المتنبي سيف الدّولة قصيدته التى مطلعها (^١):
وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدّمع أشفاه ساجمه
تقول القصة (^٢): وكان ابن خالويه هناك فقال له: يا أبا الطّيّب إنّما يقال شجاه-توهّمه فعلا ماضيا-فقال له أبو الطّيّب: اسكت فما وصل الأمر إليك!».
فلعلّه كان موجودا قبل هذا التاريخ بقليل، فسيف الدّولة على بن عبد الله الحمدانى (٣٠١ - ٣٥٦ هـ) (^٣) ملك حلب سنة ٣٣٣ هـ (^٤) .فأقدر قدوم ابن خالويه ما بين (٣٣٤ - ٣٣٦ هـ) هذا إذا كان قدمها وفادة على سيف الدّولة.
وأجمعت المصادر على أنه ألقى عصا التّسيار بحلب، وحطّ بها رحاله واستوطنها، فيها يعقد مجالس العلم، ويجتمع إليه الطلبة للإفادة من علمه وأدبه
_________________
(١) ديوانه (بشرح العكبرى: ٣/ ٣٢٥).
(٢) نزهة الألباء: ١٩٩.
(٣) أخباره فى يتيمة الدّهر: ١/ ١٥ - ٣١، والمنتظم: ٧/ ٤١، ووفيات الأعيان: ٣/ ٤٠١، وسير أعلام النبلاء: ١٦/ ١٨٧، والبداية والنهاية: ١١/ ٢٦٣، والشذرات: ٣/ ٢٠.
(٤) سير أعلام النبلاء: ١٦/ ١٨٨.
[ تقديم / ٣٥ ]
¬وروايته (^١) فى مجالس ومنتديات آل حمدان، وكان آل حمدان يكرمونه، ويدرسون عليه، ويقتبسون منه (^٢) ونفق سوقه بحلب على حدّ قول الحافظ ابن حجر-رحمة الله عليه (^٣) -.
ومع محبته للعلم، وجهده فى تحصيله، وسماعه على العلماء، وعلوّ إسناده فى القراءات؛ لأنّه الآخذ المكثر عن ابن مجاهد وغيره كان عسير التّحديث والإسماع، فقد روى السّيوطى عن أبي عمرو الدّانى قال: «سمعت فارس بن أحمد يقول: لم يكن ابن خالويه يمكّن أحدا من أخذ القراءة عليه، وقد كلّمه صديق له ليأخذ عنه ابنه فأبى، فلما كان بعد مدّة دخل عليه ابن صديقه فقال له: أقرأ فأخذ عليه من سورة (المزّمّل) إلى آخر القرآن على قراءة ابن كثير، ثم قال له: قم فافخر على أهل حلب، وقل: قرأت على ابن خالويه».
فيظهر أنّ ابن خالويه شغل أغلب وقته فى التأليف والمطالعة، فكثير من مصنفاته وبحوثه يغلب عليها طابع التتبع والاستقراء، وهذا يلزمه المطالعة المستديمة فى الكتب. ومع هذا اشتهر جماعة بالأخذ عنه، وتميزوا بالسّماع عليه، وأصبح منهم من كبار الأدباء والشعراء والكتّاب والنّحاة واللّغويين.
وذكروا فى ترجمة شيخ العربية أبى العلاء المعرى (ت ٤٤٩ هـ) -على جلالة قدره- «أنه قيّد اللّغة على أصحاب ابن خالويه» (^٤) .
قال القفطىّ (^٥): «ولما كبر أبو العلاء ووصل إلى سنّ الطلب أخذ العربيّة عن قوم من بلده كبنى كوثر أو من يجرى مجراهم من أصحاب ابن خالويه» وذكر ياقوت
_________________
(١) تحفة الأديب: ١/ ١٧١.
(٢) وفيات الأعيان: ٢/ ١٧٨.
(٣) لسان الميزان: ٢/ ٢٦٧.
(٤) تحفة الأديب: ١/ ١٧١.
(٥) إنباه الرواه: ١/ ٤٩.
[ تقديم / ٣٦ ]
¬الحموى فى معجم الأدباء: ١٤٦/ ١٩ «مرجّى بن كوثر، أبو القاسم المقرئ النحوى المؤدّب، وقال: أديب نحوىّ كان مقيما بحلب وله «المفيد فى النحو» وكتاب «الظاء والضّاد» وكان بينه وبين أبى العلاء المعرى مكاتبة».
ولم يذكر ياقوت وفاته، وعن ياقوت نقل السّيوطى فى بغية الوعاة: ٢٨٣/ ٢.
فلعلّ ابن كوثر هذا من آل كوثر المشار إليهم فى كلام القفطى، فيكون من تلاميذ ابن خالويه والله أعلم.
وقال الدّانى﵀ (^١) - «أخذ عنه غير واحد من شيوخنا» وذكروا أنه لما عاد إلى بغداد دخلها بعد علوّ سنّه وأملى بها فى جامع المدينة وروى عنه من أهلها (^٢)».
وممن اشتهر من تلاميذه: