دخل ابن خالويه بغداد كما أسلفت سنة ٣١٤ هـ، وبها حلّ، وأخذ فى طلب العلم، ولقى بها أشهر شيوخه، ثم انتقل إلى الشّام مارا بالموصل وميافارقين، ثم حمص، واستقر بحلب فى كنف سيف الدّولة الذى صدّره وجعله من كبار شيوخ مجلسه وأوكل إليه تأديب أولاده. وزار دمشق وبيت المقدس.
وأقدّر أن يكون دخل حلب ما بين سنتى ٣٣٤ - ٣٣٦ هـ (^١) واستمرّ بحلب، ألقى فيها عصا التّسيار، وتديّرها، فكانت موطنه، بها قضى جلّ حياته، ونشر فيها علمه، تدريسا، وتأليفا، قال القاضى ابن خلكان (^٢) -﵀:
«انتقل إلى الشّام واستوطن حلب، وصار بها أحد أفراد الدّهر فى كلّ قسم من أقسام الأدب، وكانت إليه الرّحلة».
نقل القفطىّ فى إنباه الرّواة عن ابن عدىّ قوله: «رأيته ببيت المقدس ».
وذكر القفطىّ (^٣) أيضا أنه دخل اليمن نقلا عن كتاب «الأترجّة» فى ذكر
_________________
(١) سأذكره مفصلا فى (فصل) تلاميذه إن شاء الله.
(٢) وفيات الأعيان: ٢/ ١٧٨.
(٣) إنباه الرواه: ١/ ٣٢٥.
[ تقديم / ١٤ ]
¬شعراء أهل اليمن فى الجاهلية والإسلام لمسلم بن محمّد اللّحجىّ اليمنى وأقام بها وشرح ديوان ابن الحائك، وعنى به وذكر غريبه وإعرابه».
ثم قال: «قلت: ولم أعلم أنّ ابن خالويه دخل اليمن إلا من كتاب «الأترجة» هذا ».
وأكّد عبد الباقى اليمنى والفيروزآبادى والجزرى دخوله اليمن فقالوا (^١):
«دخل اليمن وأقام بذمار ».
وليس فى دخوله اليمن ما يستغرب ولا ما يستنكر، وشرحه لديوان ابن الحائك غير مستبعد أيضا، فقد نقل القفطىّ وغيره أنّ ابن الحائك (الحسن بن أحمد الهمذانى ت بعد ٣٤٤ هـ (^٢) كان يكاتب علماء بغداد منهم أبو بكر بن الأنبارى، وأبو عمر الزاهد غلام ثعلب، وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه» (^٣) .
ولا أعلم أن ابن خالويه دخل الحجاز وأدى فريضة الحج اوزار مسجد رسول الله ﷺ وإذا ثبت أنه دخل اليمن فإن مروره بمكة وأداءه مناسك الحج ليس ببعيد.
وربما حجّ وزار مرارا لكنّ ذلك لم ينقل إلينا لعدم ارتباطها بأحداث مهمّة جديرة بالتّسجيل والوقوف عندها؛ لذلك أغفلها كلّ من كتب عن سيرته وأخباره، شأن كثير من العلماء فى ذلك، وخاصة إذا كان أداؤه للحج قبل تميّزه وشهرته.
ويظهر أنّ لابن خالويه تردّد على العراق فقد دخل بغداد بعد علوّ سنه وأملى بجامع المدينة (^٤) .ولعله دخل بلاد العجم بعد خروجه منها.
وكان من نتيجة هذا التّجوال أن اجتمع بشيوخ كانوا زينة المجالس، متصدّرى الدّروس فى الجوامع ودور العلم.
***
_________________
(١) إشارة التعيين: ١٠١، والبلغة: ٦٧، وغاية النّهاية: ١/ ٢٣٧.
(٢) أخباره فى إنباه الرواه: ١/ ٢٧٩، ومعجم الأدباء: ٧/ ٢٣١، وبغية الوعاة: ١/.
(٣) إنباه الرّواه: ١/ ٢٧٩.
(٤) الوافى بالوفيات: ١٢/ ٣٢٣.
[ تقديم / ١٥ ]