الذي يقرأ كلام ابن خالويه يلمس فيه نزعة التّشيّع ظاهرة ليست بالخفية، كما يلمس فيها أيضا دفاعه عن السّنة وأهلها، ومحبّته لأصحاب رسول الله ﷺ جميعا والتّرضي عنهم، وعدم إظهار السّخط على أحد منهم، وذكر مناقبهم، والغضب لهم.
وتكلّم كثير من العلماء﵏في مذهب ابن خالويه فمنهم من ينسبه إلى السّنة وأهلها ويقول: هو شافعىّ المذهب (^١) صحيح الانتماء إليه، ومنهم من ينسبه إلى الشيعة وطوائفها، ويقول هو شيعىّ إمامىّ «عالم بمذهبهم» (^٢) .
وأنا فى هذا المبحث لا أريد الدّفاع عنه بقدر ما أنزله منزلته الصّحيحة، ناقلا كلام أهل العلم، مصغيا إلى ما يقوله هو عن نفسه أولا، ثم تحليل ذلك وموازنته مع ما نسبه إليه العلماء مع معرفة الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بابن خالويه فى حياته العامّة وبيئته الخاصّة التى عاش فيها، وظروف حياته التى جعلته متنقلا بين البلدان، والتأثير النّفسي على حياة ابن خالويه التى جعلته مترددا فى أفكاره وآرائه بين مذهبى أهل السّنة والرّافضة، كما كان مترددا فى آرائه النّحوية بين البصريين والكوفيين.
ونزعة التّشيّع عند ابن خالويه أدركها بعض القدماء فحكموا عليه بأنه شيعىّ، وظهر لأغلب العلماء من خلال ثقافته وسلوكه ومنهجه العلمى-فى غالبه -أنه سنّى شافعى المذهب (^٣) .
فأبدأ أولا بإبراز ظاهرة التّشيّع التى يلمسها القارئ لآثاره، ثم أذكر بعد ذلك
_________________
(١) بغية الوعاة: ١/ ٥٢٩. ويراجع طبقات الشافعية للأستوى: ١/ ٤٧٥، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكى: ٣/ ٣٥٦.
(٢) لسان الميزان: ٦/ ٢٦٣.
(٣) بغية الوعاة: ١/ ٥٢٩.
[ تقديم / ٤٣ ]
¬الدّلائل التى تكشف أنه لم يكن شيعيا وهى التى انتهى إليها البحث.
أقول: نقل الحافظ ابن حجر﵀ عن ابن أبي طي قوله (^١): «كان إماميا عالما بالمذهب».
وقال الحافظ ابن حجر: -معقبا على كلام ابن أبي طي-قلت: وقد ذكر فى كتاب «ليس» ما يدلّ على ذلك. ثم قال الحافظ أيضا: وقد قرأ أبو الحسن النصيبى-وهو من الإمامية-عليه كتابه فى «الإمامة» (^٢) .
أقول: ألّف ابن خالويه كتابا اسمه (الآل) ذكر معانى هذه الكلمة وما تطلق عليه والفرق بين الآل والأهل. وذكره ياقوت فى معجم الأدباء (^٣) وابن خلكان فى «وفيات الأعيان» وقال (^٤): «وله كتاب لطيف سماه (الآل)، وذكر فى أوله أن الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسما، وما أقصر فيه، وذكر فيه الأئمة الاثنى عشر وتواريخ موليدهم ووفياتهم وأمهاتهم، والذى دعاه إلى ذكرهم أنه قال فى جملة أقسام الآل: آل محمد بنو هاشم ».
وذكره ابن خالويه فى شرح مقصورة ابن دريد فقال (^٥): «والآل خمسة
_________________
(١) لسان الميزان: ٦/ ٢٦٣. وابن أبي طي: يحيى بن حميدة الغسّانيّ الحلبيّ الّرّافضيّ (ت ٦٣٠ هـ). قال ابن قاضي شهبة: (صنف تاريخ الشيعة) وهو مسودة فى عدة مجلّدات «نقلت منه كثيرا»، وقال الحافظ ابن حجر وقفت على تصانيفه، وهو كثير الأوهام والسقط والتحريف، ونقل الحافظ عن ياقوت الحموى قوله فيه: «كان يدعى العلم بالأدب والفقه والأصول على مذهب الإمامية، وجعل التأليف حانوته، ومنه قوته ومكسبه، ولكنه كان يقطع الطريق على تصانيف الناس يأخذ الكتاب الذى اتعب جامعه خاطره فيه فينسخه كما هو، إلا أنه يقدّم فيه ويؤخّر ويزيد وينقص ويخترع له اسما غريبا ويكتبه كتابة فائقة لمن يشبه عليه، ورزق من ذلك حظا». يراجع: لسان الميزان: ٦/ ٢٦٣، وأعلام النبلاء: ٤/ ٣٧٨.
(٢) لا أعرف لابن خالويه كتابا فى الإمامة إلا من ظاهر هذا الخبر، وهذا الخبر أيضا قد يفهم منه أن الكتاب لأبي الحسين النصيبي، إذ العبارة موهمة محتملة.
(٣) ٩/ ٢٠٤.
(٤) ٢/ ١٧٩.
(٥) ٢١٣.
[ تقديم / ٤٤ ]
¬وعشرون شيئا وقد أفردنا له كتابا، فأمّا آل الرسول ﷺ فحقيقته من آل إليه بحسب أو قرابة: آل عقيل، وآل العباس، وآل أبي طالب، وقد يجوز على المجاز أن يجعل كل مؤمن من آل محمد ﷺ».
ونزعة التّشيع هذه تلمس في نقله عن جملة من آل البيت منهم على، وفاطمة، والحسن، والحسين، وجعفر بن محمد، ومحمد بن علي، وعلي بن الحسين، كما تلمس في تفسيراته الغريبة التي يختارها في توجيه بعض معاني الآيات.
منها قوله في تفسير الآية (^١) ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ قال:
«ويقال إن الرامي ذلك اليوم هو علىّ، وهو-وإن أتى بها بصيغة التمريض (ويقال) فذكره لهذا الخبر غير مقبول منه؛ لأنّ الكتاب توجيه نحوي لغوي لقراءة السبعة وليس تفسيرا، وإذا أراد أن يذكر بعض فوائد التفسير التي توضح المعنى فكان ينبغي أن يختار الأقوال الراجحة لا المرجوحة.
ولم يذكر الطبرسي-وهو رافضي-في تفسير «مجمع البيان» (^٢) أن الرامي على ﵁ مع حرصه على نقل مناقب أهل البيت-
ومنها: تفسير قوله تعالى (^٣): ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ قال: أي: داع يدعوهم، فقيل الهادي هاهنا محمد ﵇ وقيل: علي ﵁. وقيل:
الله تعالى.
وأورد ابن الجوزيّ -﵀في «زاد المسير» (^٤) ستة أقوال في المراد
_________________
(١) سورة الأنفال: الآية: ١٧. ويراجع: إعراب القراءات: ٢/ ٢٩٢.
(٢) مجمع البيان: ٩/ ١٢٢.
(٣) سورة الرّعد: آية: ٧. ويراجع إعراب القراءات: ٢/ ٤٣٨.
(٤) زاد المسير: ٤/ ٣٠٧.
[ تقديم / ٤٥ ]
¬بالهادي في قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ ليس من بينها أنه على، ثم قال: «وقد روى المفسرون من طرق ليس منها ما يثبت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله ﷺ يده على صدره فقال: «أنا المنذر» وأومأ بيده على منكب على فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي من بعدي».
قال ابن الجوزي﵀-: «قال المصنّف: وهذا من موضوعات الرّافضة».وخرجه محقق «زاد المسير» وتكلم على رجاله وقال: أورده ابن كثير في تفسيره عن ابن جرير، ثم قال: «وهذا الخبر فيه نكارة شديدة».
-وروى ابن خالويه (^١) عن ابن عقدة بسنده عن جعفر بن محمد قال:
«على جناح كل هدهد مكتوب بالسريانية آل محمد خير البرية».
-وفي سورة (الحاقة) قوله تعالى (^٢): ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ،﴾ روي عن النبي ﷺ: «اللهم اجعلها أذن علىّ».
-وفي قوله تعالى (^٣): ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ ..﴾. قال: «وهذه السّورة نزلت في أهل بيت رسول الله ﷺ، وكذلك أكثر هذه السورة ».وقد ذكر العلماء أسبابا أخرى لنزول هذه الآية.
-وفي قوله تعالى (^٤) ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ،﴾ قال ابن خالويه: فيه عشرة أقوال أحسنها: عن ولاية على بن أبي طالب ﵁.
_________________
(١) إعراب القراءات: ٢/ ٣٣٨.
(٢) سورة الحاقة: آية: ١٢. وينظر إعراب القراءات: ٢/ ٣٨٧.
(٣) سورة الدهر: آية: ٩. وينظر: إعراب القراءات: ٢/ ٤٢٤.
(٤) سورة التكاثر: آية: ٨. وينظر: إعراب القراءات: ٢/ ٥٢٥.
[ تقديم / ٤٦ ]