قولُه تَعَالى: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ﴾ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بخفضِ التَّاء عَلَى أَنَّهُ فِي موضعِ نَصْبٍ ردًّا عَلَى «إنّ»، وإنّما كُسرت التاءُ، لأنَّها غيرُ أصليَّةٍ.
وقال المُبَرِّدُ: هُوَ لحنٌ عندي، لأنه عطف على عاملين على إن وفي. وكان الأخفش يرَى العَطفَ عَلَى عاملين فيقول: مررت بزيد في الجدار، والحُجْرَةِ عَمْرٌو.
واحتَجَّ بقولِ الشَّاعِرِ:
أَكُلَّ امْرِئ تَحْسَبِينَ امْرًأ ونارٍ تَأَجَّجُ لِلْحَرْبِ نَارًا
ومن خفض التاء فله حجةٌ أجود مما مَضَى. وذلكَ أَنَّهُ يجعل «ءايات» الثانية بدلًا من الُأولى. فيكون غيرَ عاطفٍ عَلَى عاملين.
وكأنَّ أبا الْعَبَّاس ذَهَبَ هَذَا عَلَيْهِ حتّى لَحَّنَ مَنْ كَسَرَ، وقد قرأ بذلك إمامان.
وقرأ الباقون: «ءايات» بالرفع.
فإن سألَ سائلٌ فَقَالَ: كيفَِ يجوزُ أن يجعل التي فِي الَأرضِ بدلًا من آياتٍ فِي السَّماء؟
فالجوابُ فِي ذَلِكَ: أنَّهما وإن اختلفتا من هذه الجهة فقد اتفقتا أنَّهما مخلوقاتُهُ، دوال على وحدانيته.
وقوله تعالى: ﴿وآياته يؤمنون﴾.
قرأ أهلُ الكوفة وابنُ عامرٍ بالتاء عَلَى الخطاب، أي: قل لهم يا محمد ذَلِكَ.
وقرأ الباقون بالياءِ لقَوله: «لآياتٍ للمُؤْمِنِينَ.»
وقولُه تَعَالى: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ بالنُّون. اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نَفْسِهِ.
وقرأ الباقون بالياءِ، أي: قُل لَهُمْ يا مُحَمَّد، ليَجْزِيَ اللهُ قومًا.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: قرأ أَبُو جَعْفَر: «لِيُجْزَي قَوْمًا» عَلَى ما لَم يُسَمَّ فاعله.
فإن قيلَ: لِمَ نصب قوما؟
[ ٤١٠ ]
فقل: أضمر المَصْدَرَ، والتَّقديرُ: لِيُجْزَى الجَزَاءُ قومًا.
فإن قيلَ: لِمَ أسكنَ اليَاءَ فِي لِيُجْزَى قومًا عَلَى ما لم يُسم فاعله، واللَّامُ لامُ كَيْ؟
فالجوابُ فِي ذَلِكَ: أن هذه الياءَ، وإن كانت مكتوبةً فِي الخَطَّ ياءً فإنها ألفٌ منقلبةٌ من الياء، والأصل: ليجزيَ مثل ليضربَ فصارت الياءُ ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحفصٌ وعاصمٍ بالرَّفعِ للعذابِ.
وقرأ الباقون بالخَفْضِ رَدًّا عَلَى رَجْزٍ. وقد فسرتُ نظير ذَلِكَ فيما تقدم.
وقوله: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسائيُّ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ: «سَوَاءً» نصبا يجعلونه مفعولًا ثانيًا من «يَجْعَلُهُمْ»، والهاء، والميم المفعول الأول فإن جعلت «كالَّذِيِْنَ آمنوا» المفعول الثَّاني نصبتَ «سواءً» عَلَى الحالِ، وهو وقفٌ حسنٌ، وترفع «مَحْيَاهُمْ» بمعنى استَوى ومماتهم والأصلُ: فِي محياهم محييهم لأنَّ وزنَهُ مفعلهم من الحَياة، فانقلبت الياءُ ألفًا لتحركها، وانفتاحِ ما قبلها كما قَالَ: ﴿ونُسُكِيْ ومحياي ومماتي﴾ والأصل: محييي بثلاث ياءات، الأول: عين الفعلِ، والثانيةُ: لامُ الفعلِ، والأخيرة، ياءُ الِإضافةِ. ومن قرأ «فَمَنْ تَبعَ هُدَيَّ» قرأ «ومحيي» وقد قرأ ابْنُ أَبِي إِسْحَاق؛ لأنَّه خط الألف إلى الياءِ أدغم إذ كان الحرفُ قد لقي شكله.
وقرأ الباقون: «سواء» بالرفع جعلوه مبتدئا وما بعده خبرا عَنْهُ. ويكونُ الوقفُ عَلَى قَولِهِ: «وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ» تامًّا.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ «غَشْوَةً» جعلاه كالرّجعة والخَطفة.
وقرأ الباقون: «غِشَاوَة» جعلوه مصدرًا مجهولًا والفَعلة من المَرَّةِ الواحدِة.
وقال آخرون: الغِشاوة والغَشاوة والغُشاوة، والغَشوة والغِشوة والغُشوة بمعنًى واحد، وهو الغطاء. قال الشاعر:
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نَفْسِيْ أَلُومُهَا
وقال بعضُ أهلِ النَّظَر: إنما قيلِ: غِشاوة عَلَى فِعالة لاشتمالها عَلَى البَصر بظلمتها، وكلُّ ما اشتمل عَلَى الشيءِ فإنه يبني عَلَى فِعالة، قَالَ: وكذلك الصّناعات عنْ الخياطة
[ ٤١١ ]
والصِياغةِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾.
قرأ حمزةُ وحدَه: «السَّاعَةَ» نصبًا نسقًا عَلَى ﴿إنَّ وَعْدَ اللهِ﴾.
وقرأ الباقون بالرَّفعِ، وهو الاختِيَارُ، لأنَّ الكلامَ قد تَمَّ دونَهُ وهو قولُهُ: ﴿إنَّ وَعْدَ اللهِ حقٌّ﴾ لأنَّ الاختيار إذا عطفت بعد خبر ﴿أن﴾ تَرْفَعَ؛ ولأنَّ المَعطوف عَلَى الشَّيْءِ يجبُ أن يكونَ فِي معناه، فإذا اختلف المَعنى اختِيْرَ القَطْعُ من الَأوَّلِ والاستئنافُ والرَّيْبُ الشَّكُّ، وأَنْشَدَ:
لَيْسَ فِيْ المَوْتِ يا أُمَيْمَةَ رَيْبٌ إنّما الرَّيْبُ مَاْ يَقُوْلُ الحَسُوْدُ
وقولُه تَعَالى: ﴿فَاليَومَ لَاْ يَخْرَجُونَ مِنْهَا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «تَخْرُجُونَ» بالفتح.
وقرأ الباقون بالضَمِّ، وقد فسرتُ ذلك في مواضع من الكتاب.
[ ٤١٢ ]