قولُه تَعَالى: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾.
قرأ أَبُو عَمْرٍو وحده: «وَقَدْ أُخِذَ مِيْثَاقُكُمْ» بالرَّفع ما لم يُسمَّ فاعِلُه.
والباقون: «أَخَذَ مِيْثَاقَكُمْ» بالنَّصب. وأخذُ الميثاق عَلَى العِباد قبل تَوجيهِ الرُّسل هُوَ أنَّ اللَّه تَعَالى أَخرج الذُّرية من صُلبِ آدمَ ﵇، فَقَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فأَجابوه بعقلٍ رَكَّبه فِيهم ﴿قَالُوا بلى﴾.
وقوله تعالى: «وَكُلُّ» بالرَّفعِ جعله ابتداءً وعدّى الفعل إلى ضميرٍ، والتَّقدير:
وكلٌّ وعدَه اللهُ، كما قَالَ الرّاجز:
قَدْ أَصْبَحَتْ أمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلَّهُ لَمْ أَصْنَعِ
أراد: لم أَصنَعْهُ. فَخَزَلَ الهاءَ.
والباقون: «وكلًّا» بالنَّصب: مفعولٌ، لأنَّ قولك كلًّا وعدتُ، ووعدتُ كلًّا، وضربتُ زيدًا، وزيدا سواءٌ فاستعمال اللّفظ أَحرى من اتباعِ المُضمرات، والمَعاني.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾.
قرأ ابْنُ كثير وابن عامرٍ «فَيُضَعِّفَهُ» بغير ألفٍ غير أن ابْنُ كثير يرفع وابن عامرِ ينصب.
وقرأ الباقون «فَيُضَاعِفَهُ» بألفٍ. وَقَدْ ذكرتُ علَّة ذَلِكَ فِي البقرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿لِلَّذِيْنَ آمَنُواْ انْظُرُونَا﴾.
قرأ حمزة وحده: «أَنْظِرُونَا» بقطعِ الألفِ وفَتحِها.
وقرأ الباقون بوصلِ الألفِ، فمعنى قراءةِ حمزةَ: أَمْهِلُونا أَخرونا، قَالَ الشَّاعِر:
أبَا هِنْدٍ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا وَأنَظِرْنَا نُخَبِّرْكَ اليَقِينَا
والباقون جعلوه من الانتظار كقولِهِ: «غَيرَ نَاظِرِيْنَ» ويُقال نَظَرْتُهُ معنى انْتَظَرْتُهُ.
ونظرتُ إِلَيْه بعيني. وَقَدْ جاء: نظرته بعيني. وهذا حرفٌ غريبٌ، قَالَ فُضالة بْن عَبْد اللَّه الغَنًَوِيُّ:
خَرجتْ سَوَاسِيةً مساوٍ أمُّها خلوًا تَطِيرُ كَمَا تَطِيرُ السَّوذَقُ
فأبيتُ أنظرها فما أَبْصرَتْهَا مِما ترفَّعُ فِي السَّرَابِ وتَفْرَقُ
أراد أبصرها، وفي هَذَا البيتِ شاهدٌ آخرُ، أنَّ السَّواسيةَ المُستوياتُ فِي الخيرِ ردًا
[ ٤٣٤ ]
عَلَى من قَالَ: إنَّ السَّواسيةَ المُستوون فِي الشَرِّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقَ﴾.
قرأ نافعٌ وحفصٌ عنْ عاصم: «وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ» مخففًا.
وقرأ الباقون: «وَمَا نَزَّلَ» مشدّدًا وهو الاختيارُ، لأنَّ فِي حرف عبدِ الله «وَمَا نزل مِنَ الحَقِّ» بالضَّمِّ والتَّشديدِ عَلَى ما لم يُسم فاعله.
وقولُه تَعَالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ فِي روايةِ أبي بكر مخففةَ الصَّادِ.
وقرأ الباقون مشددا في الحرفين جميعا أرادوا: «المتصدقين» التاء في الصاد فالتشديد من أجل ذَلِكَ، وليس فِي تشديد الدَّالِ اختلافٌ؛ لأنَّه عَلَى وزن تَفَعَّل تَصَدَّقَ مثل تَكَبَّرَ، وتَجَبَّرَ، ومَنْ خَفَّفَ حَذَفَ التَّاءَ اختصارًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾.
قرأ أَبُو عَمْرٍو: «بِمآ أتَاكُمْ» قصرًا، أي: جاءَكُم.
وقرأ الباقون: «ءاتاكم» ممدودًا، أي: أعطاكم.
وقولُه تَعَالى: ﴿فإنَّ اللَّه هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيْدُ﴾.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: «فإنَّ اللَّه الغَنِيُّ الحَمِيْدُ» بغيرِ هُوَ، وكذلك فِي مَصاحفهم.
وقرأ الباقون بزيادة: «هُوَ» وكذلك فِي مصاحف أهلِ الكوفةِ، فمن أسقط جعل «الغَنِيُّ» خبر إن. و«الحميدُ» نعته، ومن زاد «هُوَ» فله مذهبان فِي النحو:
أحدُهما: أن تجعل «هُوَ» عمادًا أَوْ فاصلةً زائدةً.
والمَذهبُ الثَّاني: أن يجعل «هُوَ» ابتداء و«الغنيُّ» خبره وتكون الجملةُ فِي موضع خبر «إن» ومثله ﴿إنَّ شَاْنِئِكَ هُوَ الَأبْتَرُ﴾ و﴿أَنَّهُ هُوَ ربُّ الشِّعْرَى﴾ فكلَّما وَرَدَ عليك فِي التَّنزيل فهذا إعرابه.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيةٌ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحده: «لا تُؤخَذُ» بالتاء.
والباقون بالياءِ. فمَن ذَكَّرَ قَالَ: تأنيثُ غيرُ حَقِيْقِيّ. ومَنْ أنَّث ردَّه عَلَى اللَّفْظِ.
وحدَّثني أحمد، عنْ عليّ، عن أبي عبيد أن أبا جعفر قرأ «تُؤْخَذُ» بالتاء. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: اختياري الياءَ لكثرةِ القراءة بها، لِإيْثَارِنَا للتذكير فِي جميع القرآن.
[ ٤٣٥ ]