قولُه تَعَالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُوْ العَصْفِ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحدَه: «والحَبِّ ذُا العَصْفِ والرَّيْحَانَ» نصبا عَلَى تقديرِ: ﴿والسَّمَاءَ رَفَعَها﴾ وخَلَقَ الحَبَّ وأثبتَ الحَبَّ جعله مَفعولًا.
وقرأ الباقون: «والحَبُّ» عطفًا عَلَى قولُه: ﴿فيها فاكِهَةٌ﴾ وفيها الحَبُّ. فيكون ابتداء.
وقولُه تَعَالى: ﴿والرَّيْحَانُ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالخفضِ أي: ذُو العَصْفِ، وذُو الرَّيْحَانِ لأنَّ الحَبَّ: الحِنْطَةُ، وعَصْفُهُ التِّبْنُ، ويُقال: وَرَقُ الزَّرْعِ، والرِّيحانُ الرِّزقُ. تَقُولُ العَرَبٌُ: خرجنا نطلب ريحانَ اللَّه أي: رزقه.
وقرأ الباقون: «والريحان» عطفا على الحب وينشد:
سلام الِإلهِ وَرَيْحَانُهُ وَرَحْمَتُهُ وَسَمَاءٌ دُرَرْ
وذَكَّر اللَّه تَعَالى عبادَه نِعَمَهُ فِي هَذِهِ السَّورة، فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ يعني: آدم، وقيل: مُحَمَّد - ﷺ -. وقيل: سائرُ النَّاسِ ﴿عَلّمَهُ البَيَانُ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
والآلاءُ: النَّعماءُ، وَيُقَال: العَصِيْفَةُ بمعنى العَصْفِ، والحَبُّ البُرُّ، والحَبُّ: جمعُ حبَّةٍ وهي بَذور البَقل، قَالَ أَبُو النَّجمِ:
فِي حَبَّةٍ جَرْفٍ وحَمْضٍ هَيْكَلِ والحَبُّ أيضًا القُرْطُ
وحدثني أحمد، عن علي، عن أبي عبيد، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشيم، عنْ جُويبر، عنْ الضّحّاكُ: ﴿فَرْوحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ قَالَ الرَّوْحُ: الاستراحةُ والرَّيْحَانُ: الرِّزْقُ. قَالَ:
وحدَّثني هُشيم، عنْ عوفٍ، عنْ الحَسن: روح وريحان فِي قولِه: «فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ» قَالَ الرَّوْحُ: الرَّحْمَةُ والرَّيْحَانُ: رَيْحَانْكُمْ هَذَا.
وقرأ رَسُول اللَّه - ﷺ -: «فَرُوْحٌ» بالضم فمَن قرأ بالفَتح فشاهِدُهُ: ﴿لَا تَيْأَسُوا مِن روح الله﴾ وريحان: ووزنه فيعلان، والأصل في ريحان، ريوحان، فلما اجتمعت الواو والياء والسابقُ ساكنٌ قلبُوا من الواوِ ياءً وأدغَمُوا ثُمَّ كَرِهُوا
[ ٤٢٤ ]
التَّشديدَ فحذفُوا إحدى الياءَين كما فِي هَين ولَين ومَيت وكَينونة، ولولا أنَّه مخففٌ من مُشدَّدٍ لقيل: كونونة وروحان وميوت.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَاْ اللُّؤلُؤ والمَرْجَانِ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامر: «يَخرج» بفتح الياءِ جعلوا الفعلَ للؤلؤ والمَرجان.
وقرأ نافعٌ وأبو عَمْرٍو: «يُخرج» عَلَى ما لم يُسم فاعله، والشاهد على هذه القراءة ﴿وتستخرجوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾ فهو مفعولةٌ لا فاعلةٌ. والمرجانُ: صغارُ اللُّؤلؤ، والواحدة: مُرجانة.
فإن سَأَلَ سائلٌ، فَقَالَ: اللُّؤلؤ يخرج من الماءِ الملح لا من العَذاب فلِمَ قَالَ:
منهما؟
ففي ذَلِكَ ثلاثة أجوبة:
إحداهنَّ: أَنَّهُ أراد تَعَالى: يخرج مِنْهُ فَقَالَ: منهما كما قَالَ تَعَالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ وإنَّما الرُّسل من الِإنْسِ لا مِنَ الجِنِّ.
والجوابُ الثَّانِي: أنْ يكونَ قد خَرَجَ اللُّؤْلُؤُ من العَذْبِ مرَّةً ويخرجه اللَّه مِنْهُ، وإن لم يكن معتادًا كثيرًا ككثرة الملح.
والجوابُ الثالث: أَنَّهُ لا تتكون في الصدفة إلا بقطر السَّماء إذا أمطرت، ويعني بالبَحرين بحرُ السَّماءِ، وبَحْرُ الَأرض، وبينهما بَرْزَخٌ أي حاجزٌ لا يبغيان أي لا يَبغي الملح عَلَى العذب فيصير ملحًا. والبرزخ: عَلَى ضربين بَرزخ يُرى، وبرزخ لا يُرى، وصلَّى عليٌّ ﵁ بالنَّاسِ فَنَسِىَ برزخًا، ثُمَّ عاد فانتزع الآية ورجع إلى موضعه.
يعني أَنَّهُ ترك ثُمَّ قرأ نحوًا من مائة آية. ثُمَّ ذكر فرجع إلى الآية فقرأها.
وقولُه تَعَالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «سَيُفْرُغُ لَكُمْ» بالياء.
وقرأ الباقون بالنُّون، فمَن قرأ بالياءِ عَلَى قولِهِ ﴿يسئله مَن فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ومن قرأَ بالنُّون فاللهُ تَعَالى يُخبر عنْ نَفْسِهِ.
وفيه قراءةٌ ثالثةٌ: روى حُسَيْنٌ، عنْ أَبِي عَمْرٍو: «سَيُفْرَغُ» بالياء وفتحِ الراءِ، لأنَّ العربَ تَقُولُ فَرَغَ يَفْرُغُ، ويَفْرَغُ للحرفِ الحَلْقِيّ، وهي الغَين، مثل نَهَقَ ينهق، وصبغ
[ ٤٢٥ ]
يَصْبَغُ.
وحدثنا أَحْمَد، عنْ عليّ، عنْ أَبِي عُبَيْدٍ بذلك.
وحدثنا ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إسرائيل، عنْ طلحة بْن مطرف «سَيَفْرِغُ لَكُمْ» قَالَ الفَرَّاءُ: وقرأ بعضهم: «سَنَفْرِغُ لَكْمْ» مثل عَلِمَتَ تَعِلمُ. وقد روى فِي شعر العَجَّاجِ.
وَفَرِغَا مِنْ حَنْذِه أنْ يَهْرِجَا
بكسرِ الماضي، فعلى هَذَا فَعِلَ يَفْعَلُ مثل شَرِبَ يَشْرَبُ.
ومعنَى قولِهِ: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ» أي: سَنَقْصِدُ لكم بالعَذَابِ وما كَانَ مشغولًا قَطُّ.
قَالَ جريرٌ:
أَلَانَ وَقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهَذَا حِيْنَ كُنْتُ لَهُ عَذاْبًا
أي: سأقصدكم بالهجاءِ والمكروه. والفَرَاغُ عَلَى ضربين: القَصْدُ، وفَراغ من شُغْلٍ.
قولُه تَعَالى: ﴿أيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحده: «أيَّهُ الثَّقلان».
والباقون: «أيُّهَ» وَقَدْ ذكرتُ علّة ذَلِكَ فِي النُّور والثَّقلان الجِنَّ والِإنْسُ.
فإن سألَ سائلٌ فَقَالَ: ما مَعنى قولِ رسولِ اللَّه - ﷺ -: «إنِّي تاركٌ فيكُمُ الثقَّلين، كتابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي» فما وجهُ تَشْبِيْهِهِمَا بالثّقلَيْنِ؟
فالجوابُ فِي ذَلِكَ ما حَدَّثَنِي أَبُو عُمَر الزَّاهِد عنْ ثعلب - استخراج حسنٌ - أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الأخذ بهما ثَقيْلٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَهُ الجوار المنشآت﴾.
قرا حمزةُ: «المنشِئاتُ» - بكسر الشين - جعل الفِعلَ للسُّفن فِي البحر كالأعلام أي: كالجبال واحدهم علم.
وقرأ الباقون: «المنشئات» بالفتح، لأنَّ فِي التفسير الَّذِي قَدْ رفع قِلْعها يعني:
الشراع فهي مفعولةٌ، والواحدة منشأة والجوار: سقطت الياء في اللفظ فقلب كما قَالَ: ﴿جُرُفٍ هَاْرٍ﴾ أي: خائرٌ.
[ ٤٢٦ ]
وقولُه تَعَالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحده: «شَوَاظٌ».
وقرأ الباقون بالضَمَّ، لغتان فصيحتان. والشُّواظُ: النَّارُ الخالصةُ المَحضةُ لا دُخان فيها. وأَنشد:
إنَّ لَهُمْ مِنْ وَقْعِنَا أقياظا ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّوَاظَا
وقال الخليلُ: الشُّواظ الخَضْرَةُ التي دون النَّار المَحْضَة، والمحضة: اللَّهَبُ وقال آخرون: الخضرة تسمى الكلجبة: والنحاس، الدخان وأنشد:
تضيء كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِي طِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فِيهِ نُحَاسَا
السَّليطُ: دهنُ السِّمْسِمِ. وقال آخرون: دِهْنُ السَّنامِ المُذاب، قَالَ الفَرَّاء:
الاختيار أن يكون السَّلِيْطُ: الزَّيْتُ.
وحدَّثني مَنْ أَثِقُ بِهِ أن بعضَ الَأطبّاء ذكر أن بالهند وَردة عليها كتابة خلقة أنّ السَّليطَ ينفعُ لِكُلِّ شيءٍ ولا يضرُّ. وذكر ابْنُ قُتَيْبَة: أن شَجَرَةً بالهند تُخرِجُ ورقًا تُقرأ لا إله إلا اللَّه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه. ورُؤىَ عَلَى ساقِ سُفيان الثَّوريِّ لمَّا ماتَ عروق مُشبكة تقرأ:
حَسَبْيَ اللَّه ونِعْمَ الوَكِيْلُ. وحدَّث خِيْثَمَةَ بْن حيدرة أن سُفيان الثَّوري كَانَ بين أصابعه رقعة مكتوبٌ فيها يا سُفْيَان أُذر مقام ربِّك غدًا لا تفارقه.
حَدَّثَنَا ابْنُ عُقدة بِسَنَدِه، عنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد ﵇ قَالَ: «عَلَى جِناح كلّ هُدهدٍ مكتوبٌ بالسِّريانية: «آلُ مُحَمَّدٍ خيرُ البَرِيَّة».
وحدَّثني أَحْمَد، عنْ عليّ، عنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ حَدَّثَنِي هُشيم، عنْ مُغِيرَة، عنْ مُجاهدٍ «ونِحَاسٍ فَلَا تَنْتَصِرَان» بكسر النون.
وقرأ بعضُهم: «ونُحِسُّ فلا تنتصران» أي: نستأصل شأفتكم من قوله ﴿إذ تَحُسُّوْنَهُمْ﴾.
وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍ: «ونُحاسٍ» عطفًا عَلَى: ﴿مِنْ نَارٍ﴾.
وقرأ الباقون: «وَنُحَاسٌ» بالرَّفع عطفًا عَلَى ﴿شُوَاْظٍ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿لمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾.
قرأ الكِسَائِيُّ وحده: «لم يطمُثهن» بالضم.
وقرأ الباقون بالكسرِ، وهما لُغتان طَمَثَ يَطْمِثُ ويطمُثُ مثل عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ، ومعناه: لم يَمْسَسْهُنَّ قبلهم إنسٌ ولا جانٌ. تَقُولُ العربُ: ما طمثَ هَذِهِ
[ ٤٢٧ ]
النَّاقة جملٌ قطُّ، وما قرأت سَلًا قَطُّ؛ أي: لم تَضُمَّ فِي بطنها ولدًَا قَطُّ. وقيل: «لَمْ يَطْمِثْهُنَّ» أي: لم يَفْتَضُّهُنَّ إنسٌ قَبْلَهُمْ ولا جانٌّ فِي هَذِهِ الآية دليلٌ عَلَى أنَّ الجن تَنْكِحُ.
وقرأ الْحَسَنُ: «ولا جَأنٌّ» بالهمزِ وَقَدْ ذكرتُ علته فِي «ولا الضّألين».
قَالَ ابنُ خَالَوَيْهِ - فِي قولِه تَعَالى - ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون﴾ قَالَ فِي استماعِ الألحانِ وافتضاض الَأبكارِ. والعربُ تَقُولُ: مَسَّ زيدٌ المرأةَ، وما مَسَّا، وسأَرَهَا، ونكحها، ودحمها، وطمثها، ومَسَحَها، وخَجاها، وحشاها، وعَسَلها، وعاسّها، ورَطَمَهَا، وفَشّلها، وفطأها، وجلحها، وخالطها، ودسها، وكاسمها، ومغسها، وزعبها، ورعبها أيضًُا، وشطبها، وتفشها، وطفشها، وزخها، وكلُّ ذَلِكَ إذا جامعها ويُقال للمَرأة المزَخَّةُ وينشد:
لا خَيْرَ فِي الشَّيْخِ إذا ما أجْلَخَّا وَدَرَدَتْ أَسْنَانُهُ وكَخَّا
وَسالَ غَرْبُ عَيْنِهِ فَلَخَّا واَنْثَنت الرِّجْلُ فَصَاْرَت فَخَّا
وَعَادَ وَصلْ الغَانِيَات أَخَّا وَكَاْنَ أَكْلًا دَائِمًا وشَخَّا
بِينَ وُرَاقِ البَيتِ يَغْشَى الدَّخّا وَمَالَ مِنْهُ أَيْرُهُ واسْتَرْخَى
فَعِنْدَ ذَاكَ لا يُرِيْد زَخَّا
والزَخُّ - فِي غير هَذَا الموضع - الدَّفْعُ، وجاءَ فِي الحديثِ: «عَلَيْكُمْ بِتِلَاْوةِ القُرآن والعَمَلَ بما فِيهِ. فإنّ مَنْ تَبعَ القُرآن هَجَمَ بِهِ عَلَى رياضِ الجَنَّةِ، ومن تَبِعَهُ القُرآن زُخّ فِي قَفَاْهُ حتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ» يُقال: زَخَّه يَزُخُّهُ: إذا دَفَعَهُ، ودَعَّهُ بمعنًى واحدٍ ودَخَّه يَدُخُّهُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَدْ رُويَ عنْ النَّبيّ - ﷺ - أَنَّهُ قَرَأَ: «مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ» وعن عاصِمٍ الجَحْدَرِيّ كذلك، فمن قرأ بهذه
[ ٤٢٨ ]
القراءَةِ وجبَ أن لا يصرف؛ لأنَّه جمعٌ بعدَ ألفِهِ أكثرُ من حرفٍ مثل مَسَاجِدَ ومَحَارِيبَ، والذي حَدَّثَنَا بِهِ لَيس بِذَاك فلا أَدري أغَلِطَ الرّاوي، أم أَتى بِهِ عَلَى الَأصل؟ وليس ذَلِكَ مثل قولِه تَعَالى: ﴿قَوَاْرِيْرَا قَوَاْرِيْرَا﴾ لأنَّ ذَلِكَ رأسُ آيةٍ فاعرف الفرق بينهما.
وقولُه تَعَالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
قرأ ابْنُ عامرٍ: «ذو الجَلالِ» بالرَّفع نعتًا للاسم وكذلك فِي مَصاحفِ أهلِ الشَّامِ.
وقرأ الباقون: «ذِي الجَلالِ» بالياءِ نعتٌ للرَّبِّ ﷿.
[ ٤٢٩ ]