إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على سيدنا محمد وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وآل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وبعد:
فبين يدي القارئ الكريم، كتاب حسن السبك، رصين الألفاظ، في فن من أهم الفنون، ألا وهو فن علل القراءات، ويعنى هذا الفن بتخريج القراءات القرآنية التي وردت منقولة عن سيد الأنام محمد ﷺ، وكل ما ورد عنه ﷺ متحققا فيه الشروط التي اصطلح عليها العلماء فهو حق كله، منزل من عند الله تعالى، والشروط التي يجب أن تتوافر في القراءة ليعتد بها كقراءة متواترة، وتدخل في حيز القبول تتلخص في:
١ - موافقة وجه من وجوه النحو، ولو احتمالا أو مرجوحا، ولكن له أصل يرجع إليه في كلام العرب.
٢ - موافقة رسم مصحف من المصاحف العثمانية الستة التي بعث بها عثمان ﵁ إلى الأمصار.
٣ - صحة الإسناد الذي أدى إلينا هذه القراءة.
وقد جمعها علم القراء، وإمامهم ابن الجزري في قوله:
فكل ما وافق وجه نحو وكان للرسم احتمالا يحوي
وصح إسنادا هو القرآن فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت شذوذه لو أنه في السبعة
وعلى هذا فهذا العلم - أعني: علل القراءات - يخرج الوجوه المختلفة، والفوائد المستنبطة من وراء تغاير القراءات وورودها بأكثر من شكل.
وهو علم صعب بلا شك، يحتاج إلى أدوات كثيرة من علوم الشرع، ولا يتصدى للكلام في هذا الفن الصعب إلا من تحققت عنده الأهلية لذلك.
[ ٥ ]
وكتابنا هذا هو أحد أهم الكتب المصنفة في هذا الفن، ويكتسب هذا الكتاب أهميته من كون مصنفه واحدا من جبال القراءات والنحو وسعة الاطلاع على كلام العرب، كما سيظهر ذلك واضحا جليا في ثنايا كلامه، وكما يظهر ذلك في كثرة استشهاداته بأشعار العرب لتخريج القراءات المختلفة، والذي إن دل على شيء، فإنما يدل على سعة الاطلاع، ورسوخ الباع.
وقد رأينا لذلك أنه من الأهمية بمكان إخراج هذا الكتاب، على النحو التالي:
١ - تشكيل النص شكلا كاملا، حتى تتحقق الفائدة المرجوة، ولتيسير الفهم على القارئ، إذ أن الإعراب فرع المعنى.
٢ - التعليق على بعض المواضع التي تحتاج إلى تعليق، ولم نزد في التعليقات، حتى لا نشتت القارئ بين الأصل والحواشي، فالكتاب به درر تحتاج للتأمل فيها كثيرا.
وأخيرا نسأل الله تعالى أن ينفع به قارئه، وسامعه، والناظر فيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
[ ٦ ]