النِّسَاءُ
- قَوْلُهُ تعالى: ﴿تسائلون بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَعَاصِمٌ، «تَسَاءَلُونَ بِهِ» مُخَفَّفَةً، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يُخَيِّرُ فِي التَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُشَدَّدًا، وَالْأَصْلُ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ «تتَسَاءَلُونَ» بِتَاءَيْنِ، فَمَنْ خَفَّفَ أَسْقَطَ تَاءً، وَمَنْ شَدَّدَ أَدْغَمَ التَّاءَ فِي السِّينِ، فَالتَّاءُ الْأُولَى لِلِاسْتِقْبَالِ، وَالثَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي كَانَتْ مَعَ الْمَاضِي، قَالَ سَيِبَوَيْهِ ﵁: الْمَحْذُوفَةُ الثَّانِيَةُ، وَقَالَ هِشَامٌ: الْأُولَى، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا تُبَالِي أَيُّهُمَا حَذَفْتَ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «وَالْأَرْحَامِ» بِالْجَرِّ أَرَادَ تَسَاءَلُونُ بِهِ وَبِالْأَرْحَامِ، فَأَضْمَرَ الْخَافِضَ عَلَى قَوْلِ الْعَجَّاجِ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَ: خَيْرٍ عَافَاكَ اللَّهُ، يُرِيدُ: بِخَيْرٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ، اتَّقُوُا اللَّهَ وَاتَّقُوُا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا، قَالُوا: وَيَبْطُلُ الْخَفْضُ مِنْ جِهَاتٍ.
إِحْدَاهَا: أَنَّ ظَاهِرَ الْمَخْفُوضِ لَا يُعْطَفُ عَلَى مُكَنَّيَةٍ، لَا يُقَالُ «مَرَرْتُ بِكَ وَزَيْدٍ، لِأَنَّ الْمُضَافَ وَالْمُضَافَ إِلَيْهِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ إِلَّا ضَرُورَةً لِشَاعِرٍ، كَمَا قَالَ:
نُعَلِّقُ فِي مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفَنَا وَمَا بَيْنَهَا وَالْكَعْبِ غُوطٌ نَفَانِفُ
وَزَعَمَ الْبَصْرِيُّونَ جَمِيعًا أَنَّهُ لَحْنٌ.
قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ ﵀: وَلَيْسَ لَحْنًا عِنْدِي، لِأَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ حَدَّثَنَا بِإِسْنَادٍ يُعْزِيهِ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، أنه قرأ: «وَالْأَرْحَامِ» وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ حَمْزَةَ كَانَ لَا يَقْرَأُ حَرْفًا إِلَّا بِأَثَرٍ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ أَجَازَ الْخَفْضَ فِي «الْأَرْحَامِ» أَجْمَعَ مَعَ مَنْ لَمْ يُجِزْ أَنَّ النَّصْبَ هُوَ الِاخْتِيَارُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ﴾ ﴿لَكُمْ قِيَامًا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «قِيَمًا» بِغَيْرِ أَلِفٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «قِيَامًا»، فَهَذِهِ الْيَاءُ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، وَالْأَصْلُ قِوَامًا، وقد قرأ بذلك ابن عمر.
[ ٨٠ ]
- وقوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ الْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾.
وَقَالَ آخَرُونَ: صَلَيْتُهُ بِالنَّارِ شَوَيْتُهُ، وَأَصْلَيْتُهُ أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ وَأَحْرَقْتُهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ» بِالرَّفْعِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ، فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَ «كَانَ» بِمَعْنَى حَدَثَ وَوَقَعَ وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ، وَمَنْ نَصَبَ أَضْمَرَ فِي «كَانَ» اسْمًا، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَذْكُورَةُ وَاحِدَةً.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِكَسْرَةِ اللَّامِ.
قَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى الْأَصْلِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
فَقَرَأَ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ، وَالْكِسَائِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْإِعْرَابَ وَقَعَ عَلَى التَّاءِ لَا عَلَى الْمِيمِ، وَمَنْ كَسَرَ أَتْبَعَ الْكَسْرَ الْكَسْرَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر «يُوصَى» بِفَتْحِ الصَّادِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ الْمُوصِي قَبْلَهُ.
وَرَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ الْأَوَّلَ بِالْكَسْرِ، وَالثَّانِيَ بِالْفَتْحِ، فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ الْحَرْفَيْنِ بِالنُّونِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وحده «واللذان» جَعَلَ النُّونَ عِوَضًا مِنَ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الَّذِي.
وَخَفَّفَهَا الْبَاقُونَ، لِأَنَّ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، أَنْ يَحْذِفُوا وَيُعَوِّضُوا، وَأَنْ يَحْذِفُوا وَلَا يُعَوِّضُوا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِفَاحِشَةٍ مِبَيِّنَةٍ﴾.
قَرَأَ ابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر «مبينة» بالفتح.
[ ٨١ ]
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ، فَمَنْ كَسَرَ جَعَلَ الْفَاحِشَةَ هي التي تبين على صاحبها، وَمَنْ فَتَحَ فَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾. فَاللَّهُ الْمُبَيِّنُ وَالْآَيَاتُ الْمُبَيَّنَاتُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَرِثُوُا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالضَّمِّ، وَكَذلِكَ فِي «التَّوْبَةِ» وَ«الْأَحْقَافِ».
وَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ فِي «الْأَحْقَافِ» بِالضَّمِّ وَالْبَاقِي بِالْفَتْحِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ بِالْفَتْحِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا لُغَتَانِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْكَرْهُ: الْمَصْدَرُ، وَالْكُرْهُ: الِاسْمُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ كُلَّهَا فِي الْقُرْآنِ بِالْكَسْرِ إِلَّا هَذِهِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَالْمُحْصِنَاتُ، وَالْمُحْصِنَةُ بِالْكَسْرِ تَكُونُ الْعَفْيِفةَ، وَتَكُونُ الْمُسْلِمَةَ، أَيْ: أَحْصَنَتْ نَفْسَهَا بِالْإِسْلَامِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْفَتْحِ جَعَلَ الْمُحْصَنَاتُ بِالْأَزْوَاجِ أَيْ: أَحْصَنَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ، فَالْأَزْوَاجُ مُحْصِنُونَ، وَالنِّسَاءُ مُحْصَنَاتٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالنَّصْبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ عِلَّتَهُ فِي «الْبَقَرَةِ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «وَأُحِلَّ لَكُمْ» بِالضَّمِّ.
وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ، فَمَنْ ضَمَّ نَسَقَهُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾. وَمَنْ فَتَحَ، قَالَ:
قَبْلَ الْآيَةِ ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. أَيْ كَتَبَ عَلَيْكُمْ كِتَابًا، وَأَحَلَّ لَكُمْ، قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ الْفَتْحَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ.
وَمَنْ ضَمَّ قَالَ: إِنَّمَا يَأْتِي مَحْظُورٌ بَعْدَ مُبَاحٍ أَوْ مُبَاحٌ بَعْدَ مَحْظُورٍ، وَأَحَلَّ بَعْدَ مَا حَرَّمَ أَحْسَنُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ بِالْفَتْحِ وَكَذَلِكَ فِي «الْحَجِّ» بِالْفَتْحِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، جَعَلُوهُ مَصْدَرًا مِنْ أَدْخَلَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مدخل صدق﴾.
[ ٨٢ ]
وَأَمَّا نَافِعٌ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ دَخَلَ مَدْخَلًا مِثْلَ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ مَطْلَعًا وَدَخَلَتْ مَدْخَلًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ حَفْصٍ، وَنَافِعٌ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ بِالضَّمِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.
- وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وسئلوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْكِسَائِيُّ: «وَسَلُوُا اللَّهَ» بِتَرْكِ الْهَمْزِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ إِذَا تَقَدَّمَهُ وَاوٌ أَوْ فَاءٌ، وَيَكُونُ أَمْرًا لِلْمُخَاطَبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ، فَحُجَّتُهُ قَالَ: لَمَّا اتَّفَقَتِ الْقُرَّاءُ وَالْمَصَاحِفُ عَلَى حَذْفِ الْأَلِفِ مِنْ ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وَكَانَ هَذَا أَمْرًا مِثْلَهُ خَزَلْتُ أَلِفَ الْوَصْلِ وَالْهَمْزَةِ، وَالْأَصْلُ:
اسْأَلْ فَنَقَلُوا فَتْحَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى السِّينِ، فَلَمَّا تَحَرَّكَتِ السِّينُ اسْتَغْنَوْا عَنْ أَلِفِ الْوَصْلِ، وَسَقَطَتِ الْهَمْزَةُ لِسُكُونِهَا، وَسُكُونِ اللَّامِ.
وَمَنْ هَمَزَ قَالَ: وَجَدْتُ الْأَمْرَ يُخْزَلُ مِنْهُ الْأَلِفُ نَحْوَ: سَلْ، وَكُلْ، وَمُرْ، فَإِذَا تَقَدَّمَهُ حَرْفُ نَسَقٍ رَجَعَتِ الْهَمْزَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ «عَقَدَتْ» بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «عَاقَدَتْ» وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ، وَالْمُعَاقَدَةُ: الْمُحَالَفَةُ، وَمَنْ حَذَفَ الْأَلِفَ قَالَ: هُنَاكَ صِفَةٌ مُضْمَرَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ لَهُمْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، والْكِسَائِيُّ بِالْبَخَلِ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْخَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ «وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً» بِالنَّصْبِ، وَمَنْ نَصَبَ جَعَلَهُ خَبَرًا.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ «يُضْعِفْهَا» بِغَيْرِ أَلِفٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِأَلِفٍ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّةُ ذَلِكَ فِي «البقرة».
[ ٨٣ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «تَسَّوَّى» بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «لَوْ تَسَوى» مُمَالَةً خَفِيفَةً أَرَادُوا جَمِيعًا: تَتَسَوَّى فَأَمَّا نَافِعٌ، وَصَاحِبُهُ فَأَدْغَمَا التَّاءَ في السين.
وحمزة وصاحبه خففا لإحدى التاءين تَخْفِيفًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «تُسَوَّى» بِضَمِّ التَّاءِ وَالتَّخْفِيفِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أَيْ: تَعْلُوهُمْ وَيَدْخُلُونَ فِي جَوْفِهَا، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
- وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، والكسائي: «لمستم» بغير ألف جعل الفعل للرجال دون النساء، وقرأ الباقون «لا مستم» لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُلَامِسُ الرَّجُلَ، وَالرَّجُلَ يُلَامِسُهَا، وَالْمُفَاعَلَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ، وَحُجَّتُهُمْ: جَامَعْتُ الْمَرْأَةَ، وَلَا يُقَالُ: جَمَعْتُ.
وَمَنْ قَرَأَ «لَمَسْتُمْ» فَحُجَّتُهُ: نَكَحْتُ، وَلَا يُقَالُ: نَاكَحْتُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ بكسر النون والواو لالتقاء السَّاكِنَيْنِ، وَهُمَا النُّونُ وَالْقَافُ وَالْوَاوُ وَالْخَاءُ، وَالْأَلِفُ سَقَطَتْ لِلْوَصْلِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ النُّونِ، قَالَ: لَمَّا احْتَجْتَ إِلَى حَرَكَتِهَا حَرَّكْتَ الْوَاوَ بِحَرَكَةٍ هِيَ مِنْهَا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الْحَرْفَيْنِ جَمِيعًا.
قَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: إِنَّمَا حَرَّكُوا بِالضَّمِّ اتِّبَاعًا لِضَمَّةِ التَّاءِ وَالرَّاءِ، وَذَلِكَ غَلَطٌ، لِأَنَّ أَلِفَ الْوَصْلِ تَسْقُطُ مَعَ حَرَكَتِهَا وَلَا تُنْقَلُ حَرَكَتُهَا، وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ لِمَنْ ضَمَّ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ:
أَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ، فَضَمُّوا لِيُتْبِعُوُا الضَّمَّ الضَّمَّ، كَقَوْلِكَ:
ادْخُلْ، اخْرُجْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «إِلَّا قَلِيلًا منهم» بالنصب.
[ ٨٤ ]
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، وَلِابْنِ عَامِرٍ حُجَّتَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ «قَلِيلًا» يُنْصَبُ بِ «أَنْ» وَلَا يَسُدُّ مَسَدَّ الْخَبَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: مَا فَعَلُوهُ أَنْ قَلِيلًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ.
وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْعَرَبَ تَنْصِبُ فِي النَّفْيِ وَالْإِيجَابِ بِضَمِيرِ فِعْلٍ نَابَتْ عَنْهُ «إِلَّا» وَالتَّقْدِيرُ مَا فَعَلُوهُ، اسْتَثْنِي قَلِيلًا، فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ، غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ إِذَا كَانَ مَنْفِيًّا وَكَانَ مَا بَعْدَ «إِلَّا» مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ الرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ، كَقَوْلِكَ: مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَمَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ، وَإِذَا كَانَ مَا بَعْدَ «إِلَّا» لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ اخْتِيرَ لَهُ النَّصْبُ، كَقَوْلِكَ: مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا حِمَارًا. ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «تَكُنْ» بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْمَوَدَّةِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَلِأَنَّ «قَدْ» فَصَلَتْ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ بِفَاصِلٍ، كَقَوْلِكَ: حَضَرَ الْقَاضِي الْيَوْمَ امْرَأَةٌ.
- وقوله تعالى: ﴿ولا تظلمون فَتِيلًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ، إِخْبَارٌ عَنْ غَيْبٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ أَيْ: فَلَا تُظْلَمُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْإِدْغَامِ.
وَالْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ عَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ أَدْغَمَ فَلِأَنَّ التَّاءَ سَاكِنَةٌ لِلتَّأْنِيثِ، فَلَمَّا كَانَ السُّكُونُ لَهَا لَازِمًا كَانَ الْإِدْغَامُ لَازِمًا، وَلَمَّا كَانَتِ التَّاءُ أَصْلِيَّةٌ فِي «بَيَّتَ طَائِفَةٌ» وَكَانَتْ حَرَكَتُهُ لَازِمَةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِظْهَارُ أَحْسَنَ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ «بَيَّتْ طَائِفَةٌ» بِالْإِدْغَامِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «فَتَثَبَّتُوا».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْبَاءِ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: تَثَبَّتُّ في أمري
[ ٨٥ ]
وَتَبَيَّنْتُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَلَا إِنَّ التَّبْيِينَ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَتَبَيَّنُوا».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ، وَالْكِسَائِيُّ «السَّلَامَ» بِأَلِفٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ أَلِفٍ «السَّلَمَ» وَفَتْحِ اللَّامِ، يَعْنِي الْمَقَادَةَ، وَهُوَ أَنْ يُعْطِي الرَّجُلُ بِيَدِهِ وَيَسْتَسْلِمَ، وَالسَّلَامُ: هُوَ السَّلَامُ الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ: لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُ، قَدَّرُوا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَالْكِسَائِيُّ، وَابْنُ عَامِرٍ «غَيْرَ» بِالنَّصْبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْقَاعِدِينَ، وَمَنْ نَصَبَهُ جَعَلَهُ اسْتِثْنَاءً بِمَعْنَى «إِلَّا» وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَذَكَرَ حَالَهُ وَضُرَّهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ نُؤتِيهِ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ بِالْيَاءِ كَأَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - يُخْبِرُ عن الله تعالى.
وقرأ الباقون بالنون، الله تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ «يُصْلِحَا» مِنْ أَفْعَلَ يُفْعِلُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَصَّالَحَا» يُرِيدُونَ: يَتَصَالَحَا فَأَدْغَمُوا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بِضَمِّ الْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَدَخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ دَخَلَ هُوَ.
- وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بفتحها،
[ ٨٦ ]
فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾. فَإِنَّ عَاصِمًا وَحَّدَهُ، فَتَحَ النُّونَ وَالْبَاقُونَ ضَمُّوهَا، فَمَنِ اخْتَارَ الضَّمَّ جَعَلَهُ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا، وَمَنْ فَتَحَ نَسَقَهُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ قَبْلَ الْآيَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «تَلْوُوا» بِوَاوَيْنِ جَعَلُوهُ مِنْ لَوَيْتُ حَقَّهُ، وَالْأَصْلُ: تَلْوِيُوا فَاسْتَثْقَلُوُا الضَّمَّةَ عَلَى الْيَاءِ فَخَزَلُوهَا وَحَذَفُوهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، ثُمَّ ضُمَّتِ الْوَاوُ الْأُولَى لِمُجَاوَرَتِهَا الثَّانِيَةَ، وَمَنْ قَرَأَ بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ فَلَهُ مَذْهَبَانِ.
أَحَدُهُمَا: أن يكون أراد: تلووا، بِالْهَمْزِ، جَعَلَ الْوَاوَ هَمْزَةً؛ لِانْضِمَامِهَا، ثُمَّ نَقَلَ ضمة الهمزة إلى اللام وحذفها لالتقاء السَّاكِنَيْنِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنَ الْوِلَايَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْإِسْكَانِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الْأَسِيرُ فِي الْكَلَامِ، وَالدَّرْكُ: الْإِدْرَاكُ، تقول العرب: ما لي فِي الْأَمْرِ دَرْكٌ، قَالَ فِي صِفَةِ الْفَرَسِ:
بِمُقَلَّصٍ دَرْكِ الطَّرِيدَةِ مَتْنُهُ كَصَفَا الْخَلِيفَةِ بِالْفَضَاءِ الْأَجْرَدِ
وَمَعْنَى الدَّرْكِ: قِيلَ: دَرَجَةٌ فِي النَّارِ، وَقِيلَ: أَسْفَلُ النَّارِ، لِأَنَّ الْجَنَّةَ دَرَجَاتٌ، وَالنَّارُ دَرَكَاتٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾.
قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ، اللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ «تَعَدُّوا» بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَالْأَصْلُ: تَعْتَدُوا تَفْتَعِلُوا مِنَ الْعُدْوَانِ، فَنَقَلَ فَتْحَةَ التَّاءِ إِلَى الْعَيْنِ وَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الدَّالَ، وَمِنْهُ «تَخَطَّفُ أَبْصَارَهُمْ» وَ«أَمَّنْ لَا يَهِدِّي».
وَرَوَى قَالُونٌ عَنْ نَافِعٍ «لَا تَعْدُّوا» بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ فَجَمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، وَهُوَ قَبِيحٌ جِدًّا، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَجْمَعُ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ إِلَّا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَرْفَ لين، وكأنه
[ ٨٧ ]
أَرَادَ الْحَرَكَةَ فَأَسْكَنَ، لِأَنَّ الْفَرَّاءَ حَكَى عَنْ عَبْدِ الْقَيْسِ أَنَّهَا تَقُولُ: أَسَلْ زَيْدًا فَتُدْخِلُ الْأَلِفَ الْوَصْلَ عَلَى مُتَحَرِّكٍ، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوُا الْإِسْكَانَ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَا تَعْدُوا» عَلَى وَزْنِ لَا تَفْعُوا.
وَالْأَصْلُ فِي الْقِرَاءَاتِ كُلِّهَا: لَا تَعْدُوُوا بِوَاوَيْنِ فَاسْتَثْقَلُوُا الضَّمَّةَ عَلَى الْوَاوِ الْأُولَى فَخَزَلُوهَا، ثُمَّ حَذَفُوُا الْوَاوَ لِسُكُونِهَا، وَسُكُونِ وَاوِ الْجَمْعِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «زُبُورًا» بِالضَّمِّ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.
وَالزَّبُورُ، بِالْفَتْحِ: الْكِتَابُ، وَالزُّبُورُ: جَمْعٌ، وَسُمِّيَ الزَّبُورُ زَبُورًا لِأَنَّ مَعْنَى الزَّبْرِ الْكِتَابَةِ، قَالَ الْهُذَلِيُّ:
عَرَفْتُ الدِّيَارَ كرقم الدوا ة يُزَبِّرُهُ الْكَاتِبُ الْحِمْيَرِيُّ
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ذَبَرْتُ الْكِتَابَ: قَرَأْتُهُ، وَزَبَّرْتُهُ: كَتَبْتُهُ.
[ ٨٨ ]