المائدة
- وقوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾.
قرأ ابن عامر فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «شَنْئَانُ» بِإِسْكَانِ النُّونِ، وَأَنْشَدَ:
فَأَمْسَى كَعْبُهَا كَعْبًا وَكَانَتْ مِنَ الشَّنْآنِ قَدْ دُعِيَتْ كِعَابَا
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «شَنَآنُ» مُحَرَّكًا، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْمَصَادِرَ مِمَّا أَوَّلُهُ مَفْتُوحٌ جاء محركا نحو الغيان، وَالنَّزَوَانِ، وَالْهَمَلَانِ، وَالْإِسْكَانُ قَلِيلٌ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ الْمُسْكَنُ فِي الْمَضْمُومِ وَالْمَكْسُورِ.
وَقَالَ آخَرُونَ الشَّنْآنُ، بِالْإِسْكَانِ، الِاسْمُ، وَالشَّنَآنُ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بَغْضَاءُ قَوْمٍ وَبُغْضُ قَوْمٍ أَنْ تَعْتَدُوا، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: شَنَأْتُهُ أَشْنُؤُهُ شَنَأً وَشِنْأً، وَشُنْأً، وَشُنْآنًا، وَشَنَأَنًا، وَشَنَانًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وَيُنْشِدُ:
وَمَا الْعَيْشُ إِلَّا مَا تَلَذُّ وَتَشْتَهِي وَإِنْ لَامَ فِيهِ ذو الشنان وفندا
واجتمعت القراء على «يَجْرِمَنَّكُمْ» بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ جَرَمَ: إِذَا كَسَبَ، يُقَالُ: فُلَانٌ جَرِيمَةُ قَوْمِهِ، أَيْ: كَاسِبُهُمْ إِلَّا الأعمش، ويحيى فإنهما قرءا «وَلَا يُجْرِمَنَّكُمْ» بِضَمِّ الْيَاءِ جَعَلُوهُ لُغَتَيْنِ: جَرَمَ وَأَجْرَمَ، وَالِاخْتِيَارُ جَرَمَ، أَيْ: كَسَبَ، وَأَجَازَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:
أَكْسَبَ، وَهُوَ شَاذٌّ.
- وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو «إِنْ صَدُّوكُمْ» بِالْكَسْرِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.
فَمَنْ كَسَرَ جَعَلَهُ شَرْطًا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ فِي مُصَحْفِ عَبْدِ اللَّهِ: «إِنْ يَصُدُّوكُمْ» وَالِاخْتِيَارُ الْفَتْحُ، لِأَنَّ الصُّدُودَ وَقَعَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَالْمَائِدَةُ آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالتَّقْدِيرُ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ أَنْ تَعْتَدُوا لِأَنْ صَدُّوكُمْ، وَهَذَا بَيِّنٌ جِدًّا.
- وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ «وَأَرْجُلِكُمْ» بِالْكَسْرِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ وَالنَّحْوِيُّونَ فِي تأويل هذه
[ ٨٩ ]
الْآيَةِ، فَمَنْ نَصَبَ نَسَقَهُ عَلَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ بِإِجْمَاعِ الْكَافَّةِ عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَحْدُودَ مَعَ الْمَحْدُودِ أَوْلَى أَنْ يُؤْتَيَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ كُلُّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَسْحِ فَإِنَّهُ لَمْ يَحُدَّهُ، وَكُلُّ مَا حَدَّهُ فَهُوَ مَغْسُولٌ نَحْوَ «أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ» وَ«وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ».
وَمَنْ كَسَرَ فَحُجَّتُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِمَسْحِ الرِّجْلِ، ثُمَّ عَادَتِ السُّنَّةُ إِلَى الْغَسْلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَنْ قَرَأَ «وَأَرْجُلِكُمْ» بِالْكَسْرِ، لَزِمَهُ أَنْ يَمْسَحَ، وَمَنْ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ خَفَضَ «وَأَرْجُلِكُمْ» خَفَضَهُ عَلَى الْجِوَارِ فَهُوَ غَلَطٌ، لِأَنَّ الْخَفْضَ عَلَى الْجِوَارِ لُغَةٌ لَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ لِضَرُورَةِ شَاعِرٍ، أَوْ حَرْفٍ يَجْرِي كَالْمَثَلِ كَقَوْلِهِمْ «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ» وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْغَسْلَ مَسْحًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. أَيْ: غَسَلَ أَيْدِيَهَا وَأَرْجُلَهَا مِنَ الْغُبَارِ.
- وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: «قَسِيَّةً» بِغَيْرِ أَلِفٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «قَاسِيَةً» بِأَلِفٍ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، فَعِيلَةٌ وَفَاعِلَةٌ مِثْلَ زَكِيَّةٍ وَزَاكِيَةٍ، وَكَقَوْلِهِمْ: عَلِيمٌ وَعَالِمٌ بِمَعْنًى.
وَقَالَ آخَرُونَ: قَسِيَّةً: رَدِيئَةً، مِنْ قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ، أَيْ: بَهْرَجٌ، وَالْأَصْلُ فِي قَاسِيَةٍ: قَاسِوَةٌ، لِأَنَّهُ مِنْ قَسَا يَقْسُو، فَقَلَبُوا مِنَ الْوَاوِ يَاءً، لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَالْأَصْلُ فِي قَسِيَّةٍ: قَسِيوَةٌ فَقَلَبُوا مِنَ الْوَاوِ يَاءً، لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ وَاوٌ وَيَاءٌ وَالسَّابِقُ سَاكِنٌ قَلَبُوا مِنَ الْوَاوِ يَاءً وَأَدْغَمُوُا الْيَاءَ فِي الْيَاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِيَاءٍ فِي الْوَصْلِ، وَوَقَفَ بِغَيْرِ يَاءٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ يَاءٍ وَصَلُوا وَوَقَفُوا، فَمَنْ حَذَفَ تَبِعَ الْمُصْحَفَ، وَاجْتَزَأَ بِالْكَسْرَةِ عَنِ الْيَاءِ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ وَصْلًا فَعَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ حَذَفَ وَقْفًا اتِّبَاعًا لِلْمُصْحَفِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
قَرَأَ وَرْشٌ، عَنْ نَافِعٍ: «مِنَ اجْلِ ذَلِكَ» فَنَقَلَ فَتْحَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى النُّونِ وَأَسْقَطَ الْهَمْزَةَ لَفْظًا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ نَحْوَ ﴿قَدَ افْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وَهِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ.
[ ٩٠ ]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: تَقُولُ الْعَرَبُ مَنَ ابُوكَ، يُرِيدُونَ: مَنْ أَبُوكَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ» مَقْطُوعَةَ الْأَلِفِ وَهِيَ أَلِفٌ أَصْلِيَّةٌ.
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: «مِنِ اجْلِ ذَلِكَ» فَتَقُولُ الْعَرَبُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِكَ وَمِنْ إِجْلِكَ، وَمِنْ جَرَّاكَ وَمِنْ جَرَّائِكَ، وَمِنْ جَلَالِكَ وَمِنْ جَلَلِكَ وَيُنْشِدُ:
رَسْمِ دَارٍ وَقَفْتُ فِي طَلَلِهِ كِدْتُ أَقْضِي الْحَيَاةَ مِنْ جَلَلِهِ
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ: «السُّحُتَ» بِضَمَّتَيْنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «السُّحْتَ» سَاكِنًا، وهما لغتان، نحو: البخل وَالْبُخُلُ.
قَرَأَ بِهِ عِيسَى بْنُ عُمَرَ.
وَرَوَى خَارِجَةُ، عَنْ نَافِعٍ «السَّحْتَ» بِفَتْحِ السِّينِ، وَسُكُونِ الْحَاءِ فَتَكُونُ لُغَةً ثَالِثَةً، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُمُ اللَّهُ وَأَسْحَتَهُمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قُرِئَ بِهِ «فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ» وَ«فَيَسْحَتَكُمْ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ: «أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» وَرَفَعَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الِابْتِدَاءِ، ذَهَبَ الْكِسَائِيُّ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَرَأَهَا كَذَلِكَ فَنَصَبَ «النَّفْسَ» بِ «أَنَّ» وَاسْتَأْنَفَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الِابْتِدَاءِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو بِنَصْبِ ذَلِكَ، وَرَفْعًا «وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ».
أَيْ: كَتَبَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ إِلَى: «السِّنَّ بِالسِّنِّ» ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ: الْجُرُوحُ قِصَاصٌ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ بِالنَّصْبِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «بِالْأُذْنِ» سَاكِنَةً.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمَّتَيْنِ، فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثُ حُجَجٍ:
إِحَدَاهُنَّ: أَنْ يَكُونَ اسْتُثْقِلَ بِضَمَّتَيْنِ فَأَسْكَنَ كَمَا قَالَ: «وَأُحِيطَ بِثَمْرِهِ»، وَالْأَصْلُ:
بِثَمَرِهِ، وَكَمَا قَالَ: «فَرُهْنٌ مَقْبُوضَةٌ» وَالْأَصْلُ: رهن، والعرب
قوله تعالى: ﴿وعبد الطاغوت﴾.
[ ٩١ ]
قرئ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ» فِعْلًا مَاضِيًا، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: النَّسَقُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ. وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ ابْنَ مسعود وأبيا قرءا «وَعَبَدُوُا الطَّاغُوتَ». فَأَمَّا حَمْزَةُ فَإِنَّهُ جَعَلَ «عَبَدَ» جَمْعُ عَبْدٍ، وَالْعَرَبُ تَجْمَعُ عَبْدًا فَيَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ عَبِيدُ اللَّهِ، وَعِبَادُ اللَّهِ، وَأَعْبُدُ اللَّهِ، وَعَبْدَانُ اللَّهِ، وَعِبَّدِي اللَّهِ، فَمَنْ جَرَّ الطَّاغُوتَ أَضَافَ إِلَيْهِ الْعَبْدَ، وَمَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ جَعَلَهُ فِعْلًا مَاضِيًا، وَتَلْخِيصُهُ: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَخَدَمَ الطَّاغُوتَ.
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي «الطَّاغُوتِ» فَقَالَ قَوْمٌ: يَكُونُ مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا، وَجَمْعًا وَوَاحِدًا، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوُا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. فَأَنَّثَ، وَقَالَ: «أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ» فَجَمَعَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الطَّاغُوتُ: وَاحِدٌ، وَجَمْعُهَا طَوَاغِيتٌ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾. كَمَا قَالَ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾. فَاجْتَزَأَ بِالْوَاحِدِ عَنِ الْجَمْعِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. وَفِي الْأَنْعَامِ: ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وَفِي الْأَعْرَافِ: ﴿برسَالَاتِي﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ثَلَاثَهُنَّ بِالتَّوْحِيدِ.
وَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ ثَلَاثَهُنَّ بِالْجَمْعِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ «بِرِسَالَتِي» عَلَى التَّوْحِيدِ، وَجَمَعَ الْبَاقِي.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «رِسَالَتَهُ» بِالتَّوْحِيدِ، وَ«بِرِسَالَاتِي» وَ«حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ» بِالْجَمْعِ فِيهِمَا، فَمَنْ وَحَّدَ جَعَلَ الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، وَمَنْ جَمَعَهَا احْتَجَّ بِأَنْ جَعَلَ كُلَّ وَحْيٍ رِسَالَةً، وَالِاخْتِيَارُ أَنْ تُجْمَعَ الَّتِي فِي الْأَنْعَامِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الرُّسُلَ فِيهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى أَنْ لَيْسَ تَكُونَ فِتْنَةٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ «أَنْ» الْخَفِيفَةَ هَاهُنَا مُخَفَّفَةٌ مِنْ مُشَدَّدَةٍ، وَالْأَصْلُ: أَنَّهُ لَا تَكُونُ فِتْنَةٌ، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾. أَيْ: أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ ﴿ألا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾. أَيْ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا، وَمَنْ نَصَبَهُ نَصَبَهُ
[ ٩٢ ]
بِ «أَنْ» وَ«لَا» لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ، فِيهِ كَقَوْلِكَ: أُحِبُّ أَنْ تَذْهَبَ، وَأُحِبُّ أَنْ لَا تَذْهَبَ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ «عَاقَدْتُمُ» بِأَلِفٍ، أَيْ: تَحَالَفْتُمْ فِعْلٌ مِنِ اثْنَيْنِ.
وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ «عَقَدْتُمُ» مُخَفَّفًا فَيَكُونُ مُغْرَمًا عَلَيْهِ وَمُؤَكَّدًا.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَنَافِعٌ: «عَقَّدْتُمُ» أَيْ: أَكَّدْتُمْ، وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فَأَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. وَقَدْ مَرَّتِ الْعِلَلُ فِي أَوَّلِ النِّسَاءِ.
سَنُخْبِرُ عَنِ الْقِرَاءَةِ هَاهُنَا، فَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «قِيَمًا».
وَالْبَاقُونَ «قِيَامًا» وَالْيَاءُ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، وَالْأَصْلُ: قِوَامًا مِثْلَ: ثَوْبٌ وَثِيَابٌ، وَسَوْطٌ وَسِيَاطٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ «فَجَزَاءٌ» بِالتَّنْوِينِ «مِثْلُ» بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُضَافًا، فَمَنْ نَوَّنَ جَعَلَهُ رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ، وَجَعَلَ الْمِثْلَ خَبَرَهُ.
وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونُ: رَفْعًا بِالصِّفَةِ، وَالْبَصْرِيُّونَ بِالِابْتِدَاءِ، وَمَنْ أضاف فمعناه:
جزاء مثل المقتول.
- وقوله: ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ» مُضَافًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُنَوَّنًا، وَرَفَعُوُا الطَّعَامَ، لِأَنَّ الطَّعَامَ هِيَ الْكَفَّارَةُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، وَنُصَيْرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «اسْتَحَقَّ» بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ.
وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَّا حَفْصًا، عَنْ عَاصِمٍ، وَأَبَا بَكْرٍ وَحَمْزَةَ ««الْأَوَّلَيْنِ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «الْأَوْلَيَانِ» يَعْنُونَ: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ.
[ ٩٣ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «فَتَكُونُ طَائِرًا» بِالْأَلِفِ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «طَيْرًا» عَلَى الْجَمْعِ، فَطَائِرٌ وَطَيْرٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّةُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
اخْتَلَفُوا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ هَاهُنَا، وَفِي أَوَّلِ يُونُسَ، وَهُودٍ، وَالصَّفِّ، قَرَأَهُنَّ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «سَاحِرٌ» بِأَلِفٍ، يَعْنُونَ النَّبِيَّ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِمْ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَعَاصِمٌ فِي أَوَّلِ يُونُسَ «سَاحِرٌ» بِأَلِفٍ، وَالْبَاقِي «سِحْرٌ».
وقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ «سِحْرٌ» بِغَيْرِ أَلِفٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ «هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ» بِالتَّاءِ وَنَصَبَ «رَبَّكَ» وَمَعْنَاهُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤَالَ رَبِّكَ؟
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «هَلْ يَسْتَطِيعُ» بِالْيَاءِ جَعَلُوُا الْفِعْلَ لَهُ، وَرَبُّكَ: رَفْعٌ، وَإِنَّمَا قَالُوا: هَلْ يسَتْطَيِعُ رَبُّكَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ، وَلَكِنَّ هَذَا كَمَا تَقُولُ لِصَاحِبِكَ: هَلْ تَقْدِرُ أَنْ تَقُومَ مَعِي، أَيْ: قُمْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «مُنَزِّلُهَا» مُشَدَّدَةً مِنْ نَزَّلَ يُنَزِّلُ.
وَمَنْ قَرَأَ «مُنْزِلُهَا» فَمِنْ أَنْزَلَ يُنْزِلُ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ» بِالنَّصْبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَ هَذَا رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ، وَجَعَلَ الْيَوْمَ خَبَرَهُ، وَمَنْ نَصَبَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ جَعَلَهُ ظَرْفًا، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا يَوْمٌ نَفَعَ الصَّادِقِينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَضَافَتِ اسْمَ الزَّمَانِ إِلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ فَتَحَتْ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إِلَى الْأَفْعَالِ غَيْرُ مَحْضَةٍ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
عَلَى حِينَ عَايَنْتُ الْمَشِيبَ بِمِفْرَقِي وَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ
[ ٩٤ ]
فَأَضَافَ اسْمَ الزَّمَانِ إِلَى الْأَفْعَالِ فِي الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا يَوْمُ نَفْعِ الصَّادِقِينَ: لِأَنَّ الْجُمْلَةَ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ: زُرْتُكَ أيام الحجاج أمير، أي: وقت إمارته (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر: «(وفيها من ياءات إضافة) ست (يدي إليك) فتحها المدنيان وأبو عمرو وحفص (إني أخاف - لي أن أقول) فتحهما المدنيان وابن كثير وأبو عمرو (إني أريد - فإني أعذبه) فتحهما المدنيان (وأمي إلهين) فتحهما المدنيان وأبو عمرو وابن عامر وحفص. (ومن الزوائد) ياء واحدة (واخشون، ولا تشتروا) أثبتها في الوصل أبو جعفر وأبو عمرو وأثبتها في الحالين يعقوب ورويت لابن شنبوذ عن قنبل كما تقدم والله تعالى أعلم» النشر ٣٠٢/ ١.
[ ٩٥ ]