الْأَنْفَالُ
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُرْدِفِينَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «مُرْدَفِينَ» بِفَتْحِ الدَّالِ جَعَلَهُمْ مَفْعُولِينَ، مِنْ أَرْدَفَهَا اللَّهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مُرْدِفِينَ» بِكَسْرِ الدَّالِ، الْفِعْلُ لِلْمَلَائِكَةِ، يُقَالُ: أَرْدَفْتُ الرَّجُلَ: إِذَا جِئْتُ بَعْدَهُ، وَيُقَالُ تَقَدَّمَ قُدَّامَهُ، وَيُقَالُ: رِدْفُهُ أَيْضًا، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. وَلَمْ يَقُلِ الْمُرْدِفَةُ، وَيُقَالُ: رَدَفْتُ الرَّجُلَ: رَكِبْتُ خَلْفَهُ، وَأَرْدَفْتُهُ: أَرْكَبْتُهُ خَلْفِي، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ فَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: مَعْنَاهُ:
رَدِفَكُمْ واللَّامُ زَائِدَةٌ، كَمَا يُقَالُ: نَقَدْتُكَ مِائَةً وَنَقَدْتُ لَكَ مِائَةً، وَإِنَّمَا دَخَلَتِ اللَّامُ فِي «رَدِفَ لَكُمْ»، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى دَنَا لَكُمْ، وَقَالَ:
فَقُلْتُ لَهَا الْحَاجَاتُ تُطْرَحْنَ بالفتى وهم تعناني معنى رَكَائِبُهْ
وَرَوَى الْخَلِيلُ ﵁ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «مُرُدِّفِينَ» قَالَ سِيبَوَيْهِ: أَرَادَ مُرْتَدِفِينَ فَأَدْغَمَ، فَيَجُوزُ بَعْدَ الْإِدْغَامِ ضَمُّ الرَّاءِ وَفَتْحُهَا، وَإِسْكَانُهَا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾.
قَرَأَ نافع مُخَفَّفًا، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ «يَغْشَاكُمُ».
وَالْبَاقُونَ «يُغَشِّيكُمُ» مُشَدَّدًا، وَقَدْ ذُكِرَتْ عِلَّتُهُ فِي الْأَعْرَافِ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يوم بدر جنبوا عَلَى غَيْرِ مَاءٍ وَالْعَدُوُّ عَلَى مَاءٍ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَطَرًا فَاغْتَسَلُوا وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَنَةً﴾ مَصْدَرُ أَمِنَ يَأْمَنُ أَمْنَةً وأَمَانًا وَأَمْنَةً، وَقَدْ حُكِيَ أَمْنًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ «مُوَهِّنُ» بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ مِنْ وَهَّنَ يُوَهِّنُ مِثْلُ قَتَّلَ يُقَتِّلُ، وَكَلَّمَ يُكَلِّمُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ:
لَا يَرْفَعُ الرَّحْمَنُ مَصْرُوعَكُمْ وَلَا يُوَهِّنُ قُوَّةَ الصَّارِعِ
إِذْ تَتْرُكُوهُ وَهُوَ يَدْعُوكُمُ بِالنَّسَبِ الْأَدْنَى وَبِالْجَامِعِ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مُوهِنٌ كَيْدَ الْكَافِرِينَ» بِإِسْكَانِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الْهَاءِ مِنْ أَوْهَنَ يُوهِنُ
[ ١٣٥ ]
فَهُوَ مُوهِنُ مِثْلُ أَيْقَنَ يُوقِنُ فَهُوَ مُوقِنٌ، وَهُمَا لُغَتَانِ وَهَّنَ وَأَوْهَنَ غَيْرَ أَنَّ وَهَّنَ أَبْلَغُ مِثْلُ كَرَّمَ وَأَكَرْمَ، وَكُلُّهُمْ يُنَوِّنُ، وَيَنْصِبُونَ الْكَيْدَ إِلَّا حَفْصًا عَنْ عَاصِمٍ، فَإِنَّهُ أَضَافَ وَلَمْ يُنَوِّنْ فَقَرَأَ: «مُوهِنُ كَيْدِ» وَمِثْلُهُ فِي التَّنْزِيلِ: ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ وَ«بَالِغٌ أَمْرَهُ» وَسَأَذْكُرُ جَمِيعَ مَا يُنَوَّنُ وَمَا لَا يُنَوَّنُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي التَّوْبَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَزِيرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَوَّنَ أَرَادَ الْحَالَ وَالِاسْتِقْبَالَ كَقَوْلِكَ: الْأَمِيرُ خَارِجٌ الْآنَ وَغَدًا، وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْ جَازَ أَنْ يُرِيدَ الْمَاضِيَ وَالِاسْتِقْبَالَ كِلَيْهِمَا وَمَنْ أَرَادَ الْمَاضِيَ كَانَ الِاسْمُ الْفَاعِلُ مَعْرِفَةً، وَمَنْ أَرَادَ الِاسْتِقْبَالَ كَانَ اسْمُ الْفَاعِلِ نَكِرَةً وَإِنْ كَانَ مُضَافًا إِلَى مَعْرِفَةٍ لِأَنَّكَ تُرِيدُ بِالْمُتَّصِلِ الْمُنْفَصِلَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وَ﴿عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ «وَأَنَّ اللَّهَ» بِالْفَتْحِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «وَإِنَّ اللَّهَ» بِالْكَسْرِ، فَحُجَّةُ مَنْ كسر قراءة عبد الله: و﴿الله مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَ«إِنَّ» إِذَا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً كَانَتْ مَكْسُورَةً، وَمَنْ فَتَحَ أَرَادَ: وَلَوْ كَثُرَتْ وَلِأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا حُذِفَتِ اللَّامُ جُعِلَتْ «أَنَّ» فِي مَحَلِّ النَّصْبِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «بِالْعِدْوَةِ الدُّنْيَا» بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْعَدْوَةُ وَالْعُدْوَةُ وَالْعِدْوَاءُ كَمِلْطَاطٍ: حَافَّةُ الْوَادِي وَهُمَا جَانِبَاهُ، كُلُّهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَالْعُدْوَةُ الدُّنْيَا: الْقَرِيبَةُ، وَالْعُدْوَةُ الْقُصْوَى: الْبَعِيدَةُ، وَكَذَلِكَ: «مَكَانًا قَصِيًّا» بَعِيدًا.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: قَصَا يَقْصُو، وَدَنَا يَدْنُو، هُمَا مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْيَا كَمَا قِيلَ الدُّنْيَا؟
فَفِي ذَلِكَ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدُّنْيَا اسْمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفِعْلِ فَقُلُبِتِ الْوَاوُ يَاءً كَمَا انْقَلَبَتْ فِي دَنَا وَأَدْنَى وَيُدْنِي، وَالْقُصْوَى: اسْمٌ مُخْتَلَقٌ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى الْفِعْلِ هَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْبَصْرَةِ فَيَقُولُونَ: إِنَّ الِاسْمَ إِذَا وَرَدَ عَلَى فَعْلَى صَحَّتِ الْوَاوُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ انْقَلَبَتِ الْيَاءُ فِيهِ وَاوًا مِثْلُ الْفُتْوَى وَالتَّقْوَى، وَإِنْ كَانَتْ صِفَةً انْقَلَبَتِ الْوَاوُ
[ ١٣٦ ]
يَاءً نَحْوَ الصَّدْيَاءِ، وَالصِّفَةُ: مَا كَانَ عَلَى فُعْلَى بِالضَّمِّ فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً اسْتِثْقَالًا نَحْوَ الدُّنْيَا وَالْعُلْيَا، وَخَرَجَتِ الْقُصْوَى عَلَى أَصْلِهَا، عَلَى أَنَّ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ، حَكَى الْقُصْيَا بِالْيَاءِ أَيْضًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيْحَيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ كَثِيرٍ بِرِوَايَةِ الْبَزِّيِّ «مَنْ حَيِيَ عَنْ بَيِّنَةٍ» بِيَاءَيْنِ غَيْرَ مُدْغِمٍ، يَبْنِي الْمَاضِيَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعْتَلٍّ عَلَى الْمُضَارَعِ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ نَحْوَ الْمُحْيِي.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «مَنْ حَيَّى عَنْ بَيِّنَةٍ» بِالْإِدْغَامِ، وَهُوَ الْأَجْوَدُ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
عَيَّوْا بِأَمْرِهِمْ كَمَا عَيَّتْ بِبَيْضَتِهَا الْحَمَامَهْ
جَعَلَتْ لَهَا عُودَيْنِ مِنْ نَشَمٍ وَآخَرَ مِنْ ثُمَامَهْ
النَّشَمُ: شَجَرٌ يُتَّخَذُ مِنْهُ الْقِسِيُّ، فَأَدْغَمَ وَلَمْ يَقُلْ: عَيِيُوا، وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ لِلْمُتَلَمِّسِ:
فَهَذَا أَوَانُ الْعَرْضِ حَتَّى ذُبَابُهُ زَنَابِيرُهُ وَالْأَزْرَقُ الْمُتَلَمِّسُ
الْعِرْضُ: وَادِي الْيَمَامَةِ، وَالزَّنَابِيرُ: النَّحْلُ، وَالْأَزْرَقُ: ذُبَابٌ يَلْسَعُ الْحَمِيرَ، وَسُمِّيَ بِهَذَا الْبَيْتِ الْمُتَلَمِّسُ.
وَحَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَبْنِي الْفِعْلَ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمَاضِي فَيُدْغِمُ فَيَقُولُ: «أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحِيَّ الْمَوْتَى» بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ قَالَ الشَّاعِرُ.
وَكَأَنَّهَا بَيْنَ النِّسَاءِ سَبِيكَةٌ تَمْشِي بِسُدَّةِ بَيْتِهَا فَتَعِي
قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الصَّحِيحَ إِذَا سَكَّنَ الْحَرْفَ لَمْ يَجُزِ الْإِدْغَامُ فَكَيْفَ الْمُعْتَلُّ.
قَالَ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ ﵁: هُوَ عِنْدِي جَائِزٌ، لِأَنَّ الْمُعْتَلَّ فَرْعٌ لِلصَّحِيحِ فَإِذَا جَازَ فِي الصَّحِيحِ تَحَرَّكَ الْحَرْفُ الثَّانِي فَيُدْغَمُ نَحْوَ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ﴾ جَازَ أَنْ يُدْغَمَ الْمُعْتَلُّ وَيُحَرَّكَ الْحَرْفُ الثَّانِي، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ الْيَاءَ إِذَا أُدْغِمَ سُكِّنَ فَصَارَ غَيْرَ عَلِيلٍ، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا.
[ ١٣٧ ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حُسَيْنٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ «وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ» بِالنَّصْبِ، «إِلَّا مُكَاءٌ وَتَصْدِيَةٌ» بِالرَّفْعِ، وَهَذَا خُلْفٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، لِأَنَّ «كَانَ» إِذَا أَتَى بَعْدَهَا مَعْرِفَةٌ وَنَكِرَةٌ كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ الِاسْمَ وَالنَّكِرَةُ الْخَبَرَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ النَّكِرَةُ اسْمًا لِكَانَ لِضَرُورَةِ شَاعِرٍ كَمَا قَالَ:
كَأَنَّ سَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ
وَكَقَوْلِ الْآخَرِ:
فَإِنَّكَ لَا تُبَالِي بَعْدَ حَوْلٍ أَظَبْيٌ كَانَ أَمَّكَ أَمْ حِمَارُ
وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِلشَّاعِرِ إِذَا كَانَ الْخَبَرُ هُوَ الِاسْمُ أَوْ مِنْ سَبَبِهِ، وَالْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ، وَالتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ.
وَرَوَى عَبَّاسٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: «مُكًا» مَقْصُورٌ.
قَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: وَلَا وَجْهَ لِلْقَصْرِ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَصْوَاتِ كُلَّهَا جَاءَتْ بِالْمَدِّ نَحْوَ الدُّعَاءِ، وَالرُّغَاءِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ جَاءَ الْبُكَاءُ مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا قَالَ الشَّاعِرُ:
بَكَتْ عَيْنِي وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
فَإِنْ صَحَّ فِي اللُّغَةِ قَصْرُهَا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو جَازَ كَمَا قُصِرَ الْبُكَاءُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فِي اللُّغَةِ كَمَا شَذَّ فِي الْقِرَاءَةِ رُفِضَ فَاعْرَفْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَطِيفٌ.
وَالْمُكَاءُ مَمْدُودٌ خَفِيفُ الْكَافِ، الصَّفِيرُ، لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ، وَالْمُكَاءُ مُشَدَّدُ الْكَافِ، طَائِرٌ، وَجَمْعُهُ مُكَاكِيٌّ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا أَيُّهَا الْمُكَاءُ ما لك هَاهُنَا أَلَا وَلَا أَرْطًى فَأَيْنَ تَبِيضُ
فَأَصْعِدْ إِلَى أَرْضِ الْمَكَاكِيِّ وَاجْتَنِبْ قُرَى الشَّامِ لَا تَتْوَى وَأَنْتَ حَرِيضُ
فَأَمَّا مَكَاكِيكُ: فَجَمْعُ مَكُّوكٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «لِيُمَيِّزَ اللَّهُ»» مُشَدَّدًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُخَفَّفًا، وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّتَهُ فِي آلِ عِمْرَانَ، وَمَعْنَى ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾
[ ١٣٨ ]
﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أَيْ: يَمِيزَ مَا يُنْفِقُ الْكَافِرُ وَمَا يُنْفِقُ الْمُؤْمِنُ فَيَرْكُمُهُ جَمِيعًا، أَيْ: يَجْعَلُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ يَحْمِلُ عَلَى الْكَافِرِ فِي النَّارِ، فَذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُهُ عَذَابًا وَثِقَلًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ وَكَسْرِ السِّينِ، إِلَّا عَاصِمًا فَإِنَّهُ فَتَحَ السِّينَ أَيْضًا، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، جَعَلَ الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - أَيْ: فَلَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ أَفْلَتُوا مِنْ هَذِهِ الْحَرْبِ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ اللَّهَ، أَيْ: يَفُوتُونَهُ فَ «الَّذِينَ» الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِ «تَحْسَبَنَّ» وَ«كَفَرُوا» صِلَةُ «الَّذِينَ» وَ«سَبَقُوا» الْمَفْعُولُ الثَّانِي، وَ«إِنَّهُمْ» بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مُسْتَأْنَفٌ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ» بِالْفَتْحِ عَلَى مَعْنَى بِأَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ، وَيَجْعَلُ «أَنَّهُمْ» بَدَلًا مِنْ «سَبَقُوا» وَيَكُونُ مَعْنَى «سَبَقُوا» مَصْدَرًا بِإِضْمَارِ «أَنْ» خَفِيفًا وَالتَّقْدِيرُ: أَنْ سَبَقُوا، كَمَا تَقُولُ: حَسِبْتُ زَيْدًا أَنْ قَامَ، ثُمَّ تَحْذِفُ «أَنْ» فَتَقُولُ: حَسِبْتُ زَيْدًا قَامَ.
وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ سَبَقُوا».
وَقَوْلُهُ: «إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ» اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى فَتْحِ النُّونِ، لِأَنَّهَا نُونُ جَمَاعَةٍ كَمَا تَقُولُ: يَضْرِبُونَ وَيَأْكُلُونَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لأن أحمد بن عبدان، حدثني عن علي، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: «لَا يُعْجِزُونِي» بِكَسْرِ النُّونِ، أَرَادَ: يُعْجِزُونَنِي فَحَذَفَ إِحْدَى النُّونَيْنِ اخْتِصَارًا، وَحَذَفَ الْيَاءَ اجْتِزَاءً بِالْكَسْرَةِ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بِكَسْرِ السِّينِ.
وَالْبَاقُونَ يَفْتَحُونَ، وَذَكَرْتُ عِلَّتَهُ فِي الْبَقَرَةِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَالَ: السَّلْمُ: الصُّلْحُ، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ السِّلْمُ وَالسَّلْمُ وَالسَّلَمُ وَأَنْشَدَ:
أَنَائِلُ إِنَّنِي سَلْمٌ لِأَهْلَكِ فَاقْبَلِي سَلَمِي
وَالسَّلْمُ أَيْضًا: أَيْضًا: السَّلَفُ، وَالسَّلْمُ، أَيْضًا: شَجَرٌ وَاحِدَتُهَا سَلَمَةٌ، وَبِهِ سُمِّيَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، فَأَمَّا الدَّلْوُ فَالسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ اللَّامِ.
[ ١٣٩ ]
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ السِّلْمَ الصُّلْحُ مُذَكَّرٌ، وَالسِّلْمُ الدَّلْوُ مُؤَنَّثٌ، فَلِمَ قَالَ: ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ وَلَمْ يَقُلْ فَاجْنَحْ لَهُ.
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْهَاءَ تَعُودُ عَلَى الْجَنْحَةِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى مَصْدَرِهِ كَمَا قَالَ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ أَيْ: وَإِنَّ الِاسْتِعَانَةَ لَكَبِيرَةٌ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ، مَنْ كَذَبَ كَانَ شَرًّا لَهُ، مَعْنَاهُ: كَانَ الْكَذِبُ شَرًّا لَهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ الْهَاءَ تَعُودُ عَلَى الصَّلَاةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوُا الْمَلَائِكَةُ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «إِذْ تَتَوَفَّى» بِتَاءَيْنِ.
وَالْبَاقُونَ بِيَاءٍ وَتَاءٍ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّكَ تُرِيدُ جَمَاعَةَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا تَقُولُ: قَالَ الرِّجَالُ وَقَالَتِ الرِّجَالُ، وَ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وَ«فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ» كُلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ فَإِنَّهُ أَرَادَ: تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ» بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، أَرَادَ: تَتَوَفَّاهُمُ فَأَدْغَمَ فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى هَذَا شَاهِدٌ لِابْنِ عَامِرٍ، غَيْرَ أَنَّ الْبَاقِينَ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ هَذَا قَدْ حَجَزَ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ بِحَاجِزٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يكن منكم مائة يغلبوا ألفا﴾.
«فإن يكن مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ».
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ كِلَيْهِمَا بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو الثَّانِيَةَ بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كِلَيْهِمَا بِالْيَاءِ، فَمَنْ أَنَّثَ فَلِتَأْنِيثِ الْمِائَةِ، وَمَنْ ذَكَّرَ فَلِأَنَّ الْمِائَةَ وَقَعَتْ عَلَى عَدَدِ الْمُذَكَّرِ، وَلِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وَقَدْ مَرَّ شِبْهُ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ.
فَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَإِنَّهُ أَتَى بِاللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ جَائِزَةٌ وَهَذِهِ جَائِزَةٌ.
[ ١٤٠ ]
وَحُجَّةٌ أُخْرَى لِأَبِي عَمْرٍو أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى: أَكَّدَ تَأْنِيثَ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ بِصِفَةِ مُؤَنَّثٍ، فَقَالَ: ﴿فإن يكن مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ «ضَعْفًا» بِفَتْحِ الضَّادِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «ضُعْفًا» بِضَمِّ الضَّادِ وَهُمَا لُغَتَانِ الضَّعْفُ وَالضُّعْفُ، مِثْلُ الْكَرْهِ وَالْكُرْهِ وَالْقَرْحِ وَالْقُرْحِ، وَقَالَ آخَرُونَ: الضُّعْفُ: الِاسْمُ، وَالضُّعْفُ: الْمَصْدَرُ.
وَحُجَّةُ مَنْ ضَمَّ الضَّادَ وَاخْتَارَهُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ» وَهِيَ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
وَفِيهَا قِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ قَرَأَ: «عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعَفَاءَ» جَمْعُ ضَعِيفٍ مِثْلَ شَرِيكٍ وَشُرَكَاءَ وَلَمْ يُصَرِّفْ، لِأَنَّ فِي آخِرِهِ هَمْزَةُ التَّأْنِيثِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، وَهُوَ جَمْعُ أَسِيرٍ مِثْلَ جَرِيحٍ، وَجَرْحَى، وَصَرِيعٍ وَصَرْعَى، فَمَنْ أَنَّثَ رَدَّهُ إِلَى لَفْظِهِ، وَمَنْ ذَكَّرَ فَلِأَنَّ تَأْنِيثَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «مِنَ الْأُسَارَى».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مِنَ الْأَسْرَى»، وَالْأُسَارَى جَمْعُ الْجَمْعِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ فِي الْجَيْشِ فَهُمُ الْأَسْرَى، وَمَا جَاءَ مُسْتَأْسِرًا فَهُمُ الْأُسَارَى.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ وَ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقُّ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الْوَاوِ فِيهِمَا جميعا.
وقرأ الكسائي بِفَتْحِ الْوَاوِ فِي الْأَنْفَالِ وَكَسْرِ الْوَاوِ فِي الْكَهْفِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِهِمَا كِلَيْهِمَا، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا لُغَتَانِ الْوِلَايَةُ وَالْوَلَايَةُ مِثْلُ الْوِكَالَةِ وَالْوَكَالَةِ والدلالة والدلالة.
[ ١٤١ ]
وَقَالَ آخَرُونَ: الْوِلَايَةُ: الْإِمَارَةُ، وَالْوَلَايَةُ فِي الدِّينِ يُقَالُ: وَلِيٌّ بَيِّنُ الْوَلَايَةِ وَلَا يُقَالُ: وَالٍ حَسَنُ الْوِلَايَةِ.
فَأَمَّا الْكِسَائِيُّ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ أَتَى بِاللُّغَتَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ السُّورَةِ فِي يَاءَيْنِ:
﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ وَ﴿أَنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾. فَفَتَحَهُمَا ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وأبو عمرو أسكنها الباقون (^١).
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر ص/ ٣١٣: «(وفيها من ياءات الإضافة ياءان) (إني أرى، إني أخاف) فتحهما المدنيان وابن كثير وأبو عمرو وليس فيهما شيئا من الزوائد والله الموفق».
[ ١٤٢ ]